الحادي عشر من سبتمبر يلحق روسيا بركب التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب

ألحقت أحداث 11 سبتمبر روسيا بالتحالف الدولي ضد للإرهاب وخلقت نقاط التقاء بين المتنافسين التقليديين روسيا وأمريكا. لكن من ناحية أخرى يخشى مراقبون من تسخير الكرملين مكافحة الإرهاب لتصفية الحسابات على الساحة الداخلية.

تميزت العلاقة بين واشنطن وموسكو بالكثير من نقاط الاختلاف والتباعد، ولكن هذا لم يمنع كلتا الدولتين من الاتفاق ضمنياً على نقاط التقاء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب. فروسيا تجد في الحرب على الإرهاب مبررات كثيرة لسياستها الدموية في الشيشان. كما ان الصراع الشيشاني اكتسب بعداً أيدلوجيا جديداً بعد قيام تنظيم القاعدة بدور حاسم في المعادلة الشيشانية عموماً. أما ألمانيا فتحتفظ بعلاقة تبدو أحيانا متناقضة بالشريك الروسي. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الألمانية على أهمية الشراكة الروسية على الصعيد الاقتصادي، فأن تعاطي موسكو مع الملف الشيشاني وخروقات حقوق الإنسان هناك مازال عرضة لنقد الإعلام الألماني. عن هذه الإشكاليات والتداعيات التقى موقعنا بالخبير في الشؤون الروسية الدكتور بيتر شولتسه من معهد العلوم السياسية التابع لجامعة غوتنغن، وتحدث معه عن الظروف والتطورات التي طرأت على الملف الشيشاني بعد الحادي عشر من سبتمبر.

دويتشه فيله: بعد الحادي عشر من سبتمبر أظهرت استطلاعات الرأي أن الكثير من الروس يأملون ان يبدي الغرب –وبالاخص الولايات المتحدة الأمريكية- المزيد من التفهم لتعاطي موسكو مع الملف الشيشاني، فهل تحقق ذلك؟

د. بيتر شولتسه: عندما يدور الحديث عن الغرب، فلابد لنا ان نفرق هنا بين دولاً معينة من جانب وبين سياسيين من جانب آخر، بالإضافة الى وسائل الاعلام والشعوب نفسها. فالولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا تنظران بعين النقد الى المعضلة الشيشانية، لانهما تتعاملان مع التطورات في منطقة شمال القوقاز بمعايير لا تتطابق مع الواقع. أما بقية الدول الغربية فأنها تتفهم بشكل افضل تعاطي موسكو مع المشكلة الشيشانية، ومرد ذلك ربما يعود الى التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي بين روسيا وبين هذه البلدان.

لكن رغم هذه التغطية المتباينة من قبل وسائل الاعلام الالمانية فأن صورة روسيا لدى الألمان ليست بالسيئة كثيراً. فالكثير من المهتمين بالشأن الروسي يرون ان الصراع الشيشاني-الروسي يجب ان يخلوا من التناقض وبأنه صراع اكثر تعقيداً. كما انهم يعتقدون ان إيجاد حل لهذا الصراع يعد من الامور الصعبة جداً.

وعلى العكس من ذلك وجدت المستشارة الألمانية الحالية انجيلا ميركل نفسها مضطرة لاتخاذ سياسة ذات وجهين. فتماشياً مع ضغوطات حزبها والمعارضة الليبرالية كان عليها من جانب ان تنتقد تداعيات سياسة روسيا الداخلية. ومن الجانب الاخر اعلنت ميركل، بعد توليها منصب المستشارة وبعد ان اخذت على عاتقها رفع مستوى الاقتصاد الألماني، ان مصلحة ألمانيا الأقتصادية لا يمكن ان تكون غير مرتبطة بالشراكة مع روسيا. يمكن القول ايجازاً ان المانيا لا تتعامل مع اشكالية الملف الشيشاني وحقوق الانسان بشكل محايد، بل انها تبدي تفهماً فحسب.

تميزت العلاقة بين واشنطن وموسكو بالكثير من نقاط الاختلاف والتباعد، ولكن هذا لم يمنع كلتا الدولتين من الاتفاق ضمنياً على نقاط التقاء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب. فروسيا تجد في الحرب على الإرهاب مبررات كثيرة لسياستها الدموية في الشيشان. كما ان الصراع الشيشاني اكتسب بعداً أيدلوجيا جديداً بعد قيام تنظيم القاعدة بدور حاسم في المعادلة الشيشانية عموماً. أما ألمانيا فتحتفظ بعلاقة تبدو أحيانا متناقضة بالشريك الروسي. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الألمانية على أهمية الشراكة الروسية على الصعيد الاقتصادي، فأن تعاطي موسكو مع الملف الشيشاني وخروقات حقوق الإنسان هناك مازال عرضة لنقد الإعلام الألماني. عن هذه الإشكاليات والتداعيات التقى موقعنا بالخبير في الشؤون الروسية الدكتور بيتر شولتسه من معهد العلوم السياسية التابع لجامعة غوتنغن، وتحدث معه عن الظروف والتطورات التي طرأت على الملف الشيشاني بعد الحادي عشر من سبتمبر.

دويتشه فيله: بعد الحادي عشر من سبتمبر أظهرت استطلاعات الرأي أن الكثير من الروس يأملون ان يبدي الغرب –وبالاخص الولايات المتحدة الأمريكية- المزيد من التفهم لتعاطي موسكو مع الملف الشيشاني، فهل تحقق ذلك؟

د. بيتر شولتسه: عندما يدور الحديث عن الغرب، فلابد لنا ان نفرق هنا بين دولاً معينة من جانب وبين سياسيين من جانب آخر، بالإضافة الى وسائل الاعلام والشعوب نفسها. فالولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا تنظران بعين النقد الى المعضلة الشيشانية، لانهما تتعاملان مع التطورات في منطقة شمال القوقاز بمعايير لا تتطابق مع الواقع. أما بقية الدول الغربية فأنها تتفهم بشكل افضل تعاطي موسكو مع المشكلة الشيشانية، ومرد ذلك ربما يعود الى التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي بين روسيا وبين هذه البلدان.

الخبير في الشؤون الروسية د. بيتر شولتسه

ما هو موقع ألمانيا من الملف الشيشاني؟

تقف ألمانيا في مصاف المجموعة الثانية، ولكن ذلك لم يكن كافياً لان يشوب الموقف الألماني انقسام في الرأي. ففي الوقت تقدم فيه وسائل الإعلام الالمانية صورة سيئة عن روسيا، من خلال ولعها بتغطية الأحداث الفظيعة إعلاميا في ذلك البلد. ولكنها في الوقت نفسه لا ترغب بتغطية بوادر وعلامات استقرار الأمور وتطبيعها. فغالباً ما تختصر وسائل الاعلام الالمانية هذه موضوع الاستقرار النسبي في الشيشان بسطور قليلة، ولكنها تسهب في الوقت نفسه عند تغطيتها للانباء المتعلقة بالهجمات الارهابية وخروقات حقوق الانسان.

لكن رغم هذه التغطية المتباينة من قبل وسائل الاعلام الالمانية فأن صورة روسيا لدى الألمان ليست بالسيئة كثيراً. فالكثير من المهتمين بالشأن الروسي يرون ان الصراع الشيشاني-الروسي يجب ان يخلوا من التناقض وبأنه صراع اكثر تعقيداً. كما انهم يعتقدون ان إيجاد حل لهذا الصراع يعد من الامور الصعبة جداً.

أما على الصعيد السياسي فأن الساسة الالمان ينقسمون فيما بينهم الى معسكرين ازاء تعاطي روسيا مع الانفصاليين الشيشان. ينظر انصار المعسكر الأول الى هذا الصراع من خلال عقدة "الخوف من روسيا قوية" ولذلك فأنهم يجدون في سياسية روسيا في الشيشان مدعاة لنقد سياسة حكومة موسكو. اما الاخرون على الجانب الاخر فيأكدون على حاجة الغرب الى روسيا مستقرة وقوية من الناحيتين السياسية والاقتصادية.

كان موقف الحكومة الألمانية في زمن المستشار السابق غيرهارد شرودر من هذا الصراع المرير واضحاً نسبياً. فروسيا كانت الشريك المستقبلي لالمانيا على الصعيدين السياسي والاقتصادي. انطلاقاً من ذلك فقد تم تجنب التطرق الى سياسة روسيا الداخلية. ونتيجة هذا التعاطي كانت سلسلة من المشاريع الاقتصادية العملاقة بين البلدين، ليس أولها انبوب نفط بحر البلطيق.

وعلى العكس من ذلك وجدت المستشارة الألمانية الحالية انجيلا ميركل نفسها مضطرة لاتخاذ سياسة ذات وجهين. فتماشياً مع ضغوطات حزبها والمعارضة الليبرالية كان عليها من جانب ان تنتقد تداعيات سياسة روسيا الداخلية. ومن الجانب الاخر اعلنت ميركل، بعد توليها منصب المستشارة وبعد ان اخذت على عاتقها رفع مستوى الاقتصاد الألماني، ان مصلحة ألمانيا الأقتصادية لا يمكن ان تكون غير مرتبطة بالشراكة مع روسيا. يمكن القول ايجازاً ان المانيا لا تتعامل مع اشكالية الملف الشيشاني وحقوق الانسان بشكل محايد، بل انها تبدي تفهماً فحسب.

Wladimir Putin besucht Gerhard Schröder

غيرهارد شرودر: روسيا هي شريك ألمانيا المستقبلي سياسياً واقتصادياً

حذر الكثير من دعاة حقوق الانسان ومنتقدي سياسة الكرملين في روسيا من ان يتخذ الرئيس بوتن من مكافحة الرهاب الدولي ستاراً لسياسته المتشددة في الشيشان. هل هنالك ما يعلل هذه المخاوف؟

من الممكن تعليل هذه المخاوف نسبياً. ولكن الملف الشيشاني فقد اهميته اليوم لدى المجتمع الروسي. السبب الاول لذلك هو الرئيس بوتن قد نجح في جعل الصراع "شيشانياً". أما على الصعيد الرسمي فأن الصراع يمكن ان يكون قد انحصر بين الساسة المحليين وبين الجماعات المختلفة هناك. هذا يعني ان موسكو مازالت تتحمل، كما هو الحال في السابق، مسؤولية الصراع في الشيشان، ولكنها نأت بنفسها عنه. من جانب أخر فأن الاحداث الراهنة الاخرى تلعب دوراً حاسماً في عملية تطور الديمقراطية في روسيا. وفي طليعتها الانتخابات البرلمانية المقبلة وكذلك مسألة من سيخلف بوتن على كرسي الرئاسة.

حدثت اكبر واسوأ الاعتداءات الارهابية في روسيا بعد الحادي عشر من سبتمبر. هل لهذا ما يعلله؟

توجد هنالك علاقة ما، ولكنها ليست واضحة المعالم. ان صعود القاعدة الى بؤرة الاهتمام منح الصراع الشيشاني بعداً ايدولوجياً جديداً. ففي السابق كان هدف المتمردين الشيشان هو استقلال بلدهم، أما اليوم فأن ثمة عوامل اثنية ودينية اخذت تلعب دوراً حاسماً في هذا الصراع. وهذا مرتبط اشد الارتباط بتنامي التأثير الوهابي. يمكن القول ان الصراع والارهاب الناجم عنه في روسيا قد تم تدويله. ولكني ارغب بالتأكيد هنا على نقطة مهمة، ان كل هذا يمكن ان يعد نتيجة متأخرة وليس عاقبة مباشرة للحادي عشر من سبتمبر. فمن الممكن ان يكون تدويل هذا الملف الساخن سيتحقق اولاً واخيراً، حتى من دون الحادي عشر من سبتمبر.

بعد الحادي عشر من سبتمبر التحقت روسيا طائعة بالتحالف الدولي ضد الإرهاب. هل حصلت روسيا بذلك على دور أكبر على المسرح السياسي الدولي؟

لقد دفعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر روسيا الى لوبي النخبة السياسية الدولية بسرعة، بعد ان كانت قبل ذلك تراوح على هامش السياسة الدولية. ولكن من ذلك الوقت فهم الغرب ان الكثير من الصراعات الدولية لايمكن حلها من دون دور روسي.

سادت تكهنات بعد الحادي عشر من سبتمبر بأن العلاقات الامريكية-الروسية قد تتحسن على ارضية مشتركة لمكافحة الإرهاب، بالإضافة الى تخلي الدولتين عن المنافسة في الجمهوريات السوفيتية السابقة. هل تحقق شي من هذه التوقعات؟

ميركل وتعاطي مزدوج مع الشريك الروسي

بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا تساهلاً متبادلاً. فقد اتخذت بعض قطع الأسطول الجوي الأمريكي من بعض جمهوريات اسيا الوسطى قاعدة لها. موسكو تقبلت من جانبها هذا الأمر بدون اعتراض، لان الولايات المتحدة الأمريكية أخذت على عاتقها بذلك مهمة مكافحة التطرف الاسلامي والإرهاب في المنطقة، بالإضافة الى قطع طريق تهريب المخدرات. ولكن واشنطن لم ترغب ان تظهر نفسها راضية بتواجد عسكري في المنطقة. فهي حاولت مراراً التأثير اقتصادياً وسياسياً في جمهوريات آسيا الوسطى بالإضافة الى جورجيا واوكرانيا. الكرملين لم يستطع بل لم يرغب في تحمل ذلك. فنشب تنافس جديد بين موسكو وواشنطن.

ان العامل الاساسي لتدهور العلاقات الامريكية-الروسية كان قضية جودوركوفسكي. فملاحقته من قبل موسكو اتخذت في الولايات المتحدة الامريكية كرمز لقمع الديمقراطية وحرية الرأي. وشابت هذه القضية تضامن واشنطن مع موسكو بسرعة. لا اعتقد ان العلاقات الثنائية ستتحسن في المستقبل البعيد. فهناك الكثير من المشاكل الجديدة كموقف الدولتين المتباين من الملف النووي الإيراني. ولكن واشنطن تعرف جيداً أنها بحاجة ماسة للدور الروسي في حل الكثير من الملفات الساخنة.

تابعنا