بين تصلب الداخل وأطماع الخارج ـ ما آفاق الحل في السودان؟

بث مباشر الآن
01:30 دقيقة
22.04.2019

ما علاقة حرب اليمن بالدعم السعودي والإماراتي للمجلس العسكري السود...

الأزمة مستمرة في السودان رغم تطمينات المجلس العسكري ووعوده ، فالمعتصمون مصرون على مواصلة حراكهم حتى تحقيق مطلب تسليم السلطة إلى حكومة مدنية. والتدخل الخارجي يعقد الوضع، فإلى أين يتجه السودان؟

لا توحي التطورات الحالية في المشهد السوداني بأنه يمكن حسم الأزمة في المستقبل القريب، وذلك في ظل تشبث الأطراف بمواقفها من جهة والتدخلات الخارجية من جهة أخرى.

فالمتظاهرون وقوى المعارضة مصرون على ضرورة انتقال الحكم في السودان إلى سلطة مدنية ويتعهدون بـ "تكثيف الحراك" حتى تحقيق هذه الغاية. في المقابل يقاوم المجلس العسكري الانتقالي هذه المطالب ويدعو لرفع الحواجز التي تؤدي إلى مقر قيادة الجيش، ما أدى إلى تعليق المفاوضات بين المجلس العسكري وقادة المحتجين.

يتزامن ذلك مع استضافة القاهرة لقمة إفريقية تشاورية حول السودان. فإلى أين تتجه الأوضاع هناك في ظل تصاعد التوتر الداخلي والتدخلات الخارجية؟

أزمة ثقة

رغم مرور أكثر من 11 يوما على إسقاط البشير والوعود والتطمينات التي يقدمها المجلس العسكري، يصر المتظاهرون والمعارضة على مواصلة الاعتصام، حتى تسليم السلطة لحكومة مدنية فيما يبدو أنه أزمة ثقة قد تؤدي إلى تصعيد أكبر. ويرى عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة التيار السودانية، أن الخلافات الرئيسية الآن تتمحور حول أعضاء المجلس السيادي؛ إذ يصر المجلس العسكري على أن يكون أعضاؤه من الجيش بينما يطالب المعارضون بأن يكون أعضاؤه مدنيين مع تمثيل عسكري فيه.

وفي مقابلة خاصة مع DW عربية، قال محمد يوسف أحمد المصطفى، القيادي في تجمع المهنيين السودانيين إن الإضراب العام والعصيان المدني هما الخطوة المقبلة في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع المجلس العسكري الانتقالي.

وفي حال استمرار هذا الخلاف يقول ميرغني في تصريحات لـ DW  عربية إن السيناريوهات المطروحة تتمثل في "تدخل بعض الوسطاء من شخصيات قومية رمزية في السودان لإيجاد حل وسط يتفق عليه الجانبان، وقد يكون هذا الحل الوسط تقاسم نسبة الأعضاء في المجلس السيادي بين المدنيين والعسكريين، كما يوجد احتمال آخر هو إلغاء هذا المجلس ككل واستبداله بمنصب رئيس جمهورية يكون عسكريا وهذا الاقتراح تطرحه بعض الأسماء المعارضة".

ويبدي الصحفي والكاتب اللبناني أمين قمورية قلقه إزاء الوضع في السودان إذ يرى أنه "حالة خاصة" يصعب التعامل معها. ويشرح قمورية رأيه في مقابلة مع DW عربية بالقول: "من جهة الجيش في السودان ليس كما الجيوش في دول أخرى، أي لا ينظر له كأقوى سلطة أو كجيش وطني كما في مصر مثلا بل كقيادة فيها ضباط إسلاميون من حزب البشير، بالإضافة إلى ميليشيات الدفاع المدني. ومن جهة أخرى، المعارضة ليست سهلة ولديها تاريخ من الممارسة السياسية والتجارب كما أنها ليست منسجمة فيما بينها". كل هذا يجعل الجيش والمعارضة معا عاجزين عن حسم الوضع وبالتالي إطالة أمد الأزمة حسب اعتقاد المحلل السياسي.

تطمينات المجلس العسكري لم تهدئ من غضب الشارع

أي كفة ستُرجَح من خلال التدخلات الخارجية؟

هذه الأزمة يزيد من حدتها تباين المواقف والتوجهات والمصالح الخاصة بالدول المتدخلة في البلد الغارق في أزمة اقتصادية خانقة. في هذا السياق يقول ميرغني إن هناك عدة محاور إقليمية ودولية "تريد أن يكون لها موطئ قدم في السودان ودور في مستقبله".

وفي هذا السياق يذكر الخبير السوداني المحور السعودي الإماراتي المصري، ويقول إن السعودية والإمارات اختارت مدخل الأزمة الاقتصادية فساهمت بالوقود والأدوية والقمح ووديعة مصرفية تساعد في توفير قدر من العملة الصعبة. وبالإضافة إلى مصر تهدف الدولتان المذكورتان إلى "محاربة الإسلام السياسي وتحاولان الدفع بالسودان إلى عدم التقارب مع جهات أخرى كقطر وتركيا وتيارات في ليبيا محسوبة كذلك على التيار الإسلامي خاصة بالنظر إلى الدور الكبير الذي كانت تلعبه قطر في السودان ومسألة دارفور والعلاقة القوية مع الرئيس السوداني السابق".

وهناك أسباب إضافية يشير إليها أمين قمورية وهو أن هذه الدول "تفضل التعامل مع نظام عسكري قوي، خاصة مصر التي يحكمها أيضا الجيش، على التعامل مع معارضة منقسمة غير واضحة وتخضع لشروط الديمقراطية التي لا تدعمها هذه الدول". وتشكل مسألة حرب اليمن نقطة مهمة كذلك في هذا الدعم كما يقول قمورية فبقاء الجيش في السلطة سيعني ضمان الدعم السوداني في حرب اليمن التي هي مهمة جدا بالنسبة للسعوديين.

وكانت وكالة الأنباء السودانية قد نقلت الأسبوع الماضي عن عضو من المجلس العسكري الانتقالي قوله إن القوات السودانية المشاركة في الحرب في اليمن "ستبقى إلى أن يحقق التحالف أهدافه". ولا يستبعد قمورية أن يعول المجلس العسكري على دعم هذه الدول في مواجهة المعارضة إذا استمر الصراع.

القمة الافريقية التشاورية في القاهرة دعت لإعطاء مهلة للمجلس العسكري.

ما مصير السودان في أفريقيا؟

لكن ماذا عن الأطراف الأخرى؟ الولايات المتحدة، والاتحاد الإفريقي الذي تناول اليوم ملف السودان ضمن قمة تشاورية عقدتها القاهرة، وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر القاهرة، التي تتولى رئاسة الاتحاد حاليا، على موقفه مما يحدث في السودان؟

في هذا الإطار يشار إلى أن الاتحاد الإفريقي لا يتعامل مع الأنظمة التي تصل إلى السلطة عن طريق الانقلاب طبقا لقوانينه، وفي حالة السودان طالب الاتحاد المجلس العسكري بتسليم السلطة لحكومة مدنية في غضون 15 يوما وإلا سيتم تعليق عضوية الخرطوم في الاتحاد. بيد أن قمة القاهرة دعت إلى تمديد هذه المهلة إلى 3 أشهر وهو القرار الذي ينظر إليه كنتيجة للتحركات المصرية لتليين موقف الاتحاد الإفريقي بخصوص المجلس العسكري في الخرطوم.

وبينما يرى ميرغني أن الهامش الذي يمكن أن تتحرك فيه القاهرة محدود ولن يتجاوز تمديد المهلة التي قدمها الاتحاد الإفريقي، يرى قمورية أن مصر قد تؤثر فعلا على موقف الاتحاد الإفريقي في السودان، وحتى إذا لم تنجح في ذلك، "يبقى موقف الاتحاد ليس بهذه الأهمية بالنسبة للسلطة في السودان، فهو مجرد موقف معنوي وحتى في حال رفضه التعامل مستقبلا مع سلطة عسكرية في الخرطوم أقصى ما سيفعله هو إصدار بيانات وسحب عضوية السودان من الاتحاد".

أما الرأي المهم حسب اعتقاد قمورية فهو رأي الولايات المتحدة. ولا يستبعد الخبير اللبناني أن تدعم الولايات المتحدة المجلس العسكري الانتقالي في مواجهة الشارع، ويشرح ذلك بالقول :"مع ترامب كل شيء وارد فقد رأينا كيف يميل إلى الرجال الأقوياء والديكتاتوريين فهو يدعم السيسي وحفتر ما يعني أنه من غير المستبعد أن يدعم الجيش في السودان أيضا".

لكن ميرغني يستبعد ذلك قائلا إن الولايات المتحدة عبرت على لسان مسؤولين كبار عن رفضها التعامل مع السلطة الحالية إلى أن يتم تسليم الحكم لسلطة مدنية ووقتها فقط سيتم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات التي تعطل التجارة الخارجية للسودان.

سهام أشطو

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

مد وجزر

الفترات الزمنية التي حكم فيها العسكر السودان فاقت بكثير الفترات التي استلمت فيها حكومات مدنية السلطة في البلاد. فقد بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية في السودان ضد أول حكومة ديمقراطية انتخبت في عام 1957.

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

حكومة عسكرية

بعد استقلال السودان في عام 1956، لم تهنأ البلاد بحكم مدني لأكثر من عامين، حيث نجح أول انقلاب عسكري في عام 1958 بقيادة ابراهيم عبود ضد حكومة ائتلاف ديمقراطية بين حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي التي كان يرأسها مجلس السيادة المكون من الزعيم إسماعيل الأزهري وعبد الله خليل.

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

حكومة مدنية

في عام 1964 أطاحت أكبر ثورة شعبية شهدتها البلاد بحكومة عبود، وعاد المدنيون إلى الحكم بانتخابات جرت عام 1965 بإشراف حكومة انتقالية. غير أن الحكومة الجديدة اتسمت بعدم الاستقرار. في الصورة مبنى القصر الرئاسي بالخرطوم.

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

انقلاب جعفر محمد نميري

وفي ظل اضطرابات سياسية نفذ العقيد جعفر محمد نميري انقلابا عسكريا في عام 1969 بالتعاون مع عدد من الضباط من اليسار السوداني من الحزب الشيوعي على وجه الخصوص. استمر حكم النميري لمدة 16 عاماً تخللتها عدة محاولات انقلابية فاشلة أُعدم نتيجتها 3 ضباط من الحزب الشيوعي الذين سعوا إلى الاستيلاء على السلطة.

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

عبد الرحمن سوار الذهب والاستثناء!

أطاحت انتفاضة شعبية كبيرة عرفت بـ"انتفاضة إبريل" بنظام النميري، اذ أعلن حينها المشير عبد الرحمن سوار الذهب أعلى قادة الجيش، تنحية النميري واستلام الجيش للسلطة في 6 نيسان 1985 وقاد البلاد لعام واحد رئيساً للحكومة الانتقالية، ليسلم السلطة بعد ذلك لحكومة منتخبة ترأسها زعيم حزب الأمة الصادق المهدي عام 1986. وسوار الذهب هو الرئيس العسكري الوحيد في تاريخ السودان الذي يفي بوعده بتسليم السلطة للمدنيين.

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

انقلاب عمر البشير

ومجدداً في عام 1989 جاء انقلاب الرئيس عمر البشير بمساعدة الإسلاميين في السودان بزعامة الدكتور حسن عبدالله الترابي وحزبه "الجبهة الإسلامية القومية". استمر حكم البشير لمدة 30 عاماً شهدت البلاد خلالها تقسيم البلد إلى دولتين في الشمال والجنوب، وصراعات دموية من ضمنها حرب دارفور الأهلية التي صدر بحقه نتيجتها مذكرة اعتقال دولية من المحكمة الجنائية.

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

الحراك السوداني

وفي أواخر عام 2018 شهدت السودان احتجاجات شعبية على الغلاء وسوء الخدمات تحولت فيما بعد للمطالبة بإسقاط البشير الذي انتهت فترة حكمه في صباح اليوم الخميس (11 نيسان/أبريل 2019)، إذ أعلن الجيش الإطاحة به وتشكيل مجلس انتقالي لإدارة البلاد. الكاتبة: ريم ضوا

السودان ..مد وجزر بين مدنية السلطة وحكم العسكر

العسكر أم المدنيون؟

فور إعلان عزل الرئيس البشير، سُلطت الأضواء على دور الجيش..الجيش الذي انضم للحراك الشعبي ورفض قمع المتظاهرين، لكن إعلانه الإطاحة بالبشير يؤشر على ما يبدو إنقلابا عسكريا..فإلى أي أين تسير دفة الحكم في أكبر بلد أفريقي ..للعسكر أم المدنيين؟

تابعنا