تمهيداً للصفقة.. كيف يخطّط ترامب لاستمالة الفلسطينيين؟

بث مباشر الآن
23:44 دقيقة
21.05.2019

مسائية DW: هل تبدأ "صفقة القرن" من المنامة؟

باستخدام الترهيب تارة ثم الترغيب تارة أخرى، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلزام الفلسطينيين بقبول خطة صهره كوشنر التي باتت معروفة باسم "صفقة القرن". فما هي حيثيات مؤتمر الاسثتمار في البحرين؟ وهل تتحقق أهدافه؟

بعدما صعّد ضدهم سياسياً واقتصادياً، يرغب دونالد ترامب بخطب ود الفلسطينيين عبر بوابة الاستثمار، لأجل إقناعهم بقبول خطته للسلام المعروفة إعلامياً بـ"صفقة القرن". ترامب الذي اختار تنظيم مؤتمر للاقتصاد يحمل اسم "من السلام إلى الازدهار" في البحرين، يرغب بتحقيق اصطفاف عربي-إسرائيلي يسهّل على صهره جاريد كوشنر، الذهاب بعيداً في وصفة جديدة للسلام، رغم أن الفلسطينيين فقدوا ثقتهم في ترامب كوسيط للصراع، بعد اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

المؤتمر يشكّل "فرصة مهمة من أجل (..) حشد الدعم للاستثمارات والمبادرات الاقتصادية المحتملة التي يمكن تحقيقها من خلال اتفاقية السلام". هكذا تبرّر واشنطن في بيان مشترك مع المنامة تنظيم المؤتمر نهاية يونيو/حزيران القادم، أي بعد أسابيع قليلة على الموعد الذي حدده جاريد كوشنر للكشف عن تفاصيل "صفقة القرن"، وإن كان هذا الأخير قد كشف قبل أسابيع أن خطته ستتجنب ذِكر حلّ الدولتين.

قناة CNN بدورها نقلت أن واشنطن ستعلن خلال المؤتمر القسم الأول من الصفقة، وسيتضمن أربعة عناصر هي البنى التحتية والصناعة والاستثمار في الشعوب والإصلاحات الحكومية.

هل يقبل الفلسطينيون؟

بيدَ أن أكبر ما يواجه الخطة الأمريكية، هو تدهور العلاقات السياسية بين واشنطن وبين الفلسطينيين، منذ تجميدهم للاتصالات مع البيت الأبيض على خلفية الموقف من القدس. ويُعد هذا التردي الأسوأ بين الطرفين منذ عقود، لذلك كان الرفض الفلسطيني للمؤتمر واضحاً عندما أعلنت رئاسة الوزراء الفلسطينية أن "الشأن الاقتصادي هو نتاج للحل السياسي لأن الفلسطيني وقيادته لا يبحث عن تحسين شروط الحياة تحت الاحتلال". وقد عبرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن هذا الرفض بالقول: "ترامب يخطّط لحفل زفاف في البحرين، لكنه نسي دعوة العروس".

صائب عريقات: "كل الجهود الساعية إلى التعايش بين المحتل وشعب تحت الاحتلال مصيرها الفشل"

"يعتقد الجانبان الأمريكي والإسرائيلي أنه يمكن تعويض الفلسطينيين عن أرضهم بالاستثمارات، لكن الطرف الفلسطيني حازم في موقفه، ولا أرى أنه يمكن لبعض الدعم الاقتصادي أن يحلّ الأزمة" يقول كامل وزنة، خبير اقتصادي لـDW عربية، مشيراً إلى وجود حركات داخل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لا تقبل أصلاً بوجود الطرف الآخر، وأنه حتى ولو قبلت السلطة الفلسطينية بالصفقة، فهناك أصوات فلسطينية متعددة سترفضها.

يتخذ ترامب مواقف براغماتية تنطلق في الكثير منها من الربح المالي الصرف. لكن هل أن استثماراً مفترضاً في الأراضي الفلسطينية من شأنه أن يحقق الربح المادي المنتظر خاصةَ وأن المنطقة تشهد نزاعات مسلحة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؟ يجيب وزنة أنه حتى النظر إلى الفكرة من جانبِ اقتصادي بحت غير ممكن: "أيّ نمو اقتصادي يجب أن يسبقه توافق سياسي، وبما أن هذا التوافق غائب، فلا توجد إمكانية لنجاح مشروع ترامب، فمن سيقبل الاستثمار في مكان قد تتحوّل فيه المشاريع إلى رماد؟"

أوراق ترامب للضغط

"الأزمة المالية التي نعيشها اليوم هي نتاج حرب مالية تشن علينا بهدف ابتزاز مواقف سياسية" يقول رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية في جلسة حكومية. ظهرت هذه "الحرب" في قرارات عدة ترامب، كتخفيضه شهر أغسطس 2018 أكثر من 200 مليون دولار مخصصة من المساعدات الموجهة للفلسطينيين، ثم وقفه مساهمات بلاده في الوكالة الأممية الأونروا، تجسيداً لتهديده السابق لهم عندما قال "لماذا ندفع لهم إن كانوا غير مستعدين للمشاركة في محادثات سلام". وقد اختار ترامب فترة حساسة لتنفيذ وعيده، إذ تراجع رقم المساعدات الدولية الموجهة للفلسطينيين، وسجّل عام 2015 أدنى مستوى له منذ عام 2007.

داخل وكالة الأونروا

ويطبّق ترامب مع الفلسطينيين سياستي الترهيب والترغيب، فبين الوعد بـ"رفاهية اقتصادية" يمكنه أن يغيّر خطابه لمزيد من حصارهم اقتصاديا، وكذلك سياسياً بعد أن أقدم على إغلاق بعثة منظمة التحرير في واشنطن في سابقة من نوعها. لكن هناك من يشكّك في نجاحه: "التجربة بيّنت أن الفلسطينيين قادرون على الصعود، خاصة مع استمرار حصار غزة لـ11 سنة دون أن تغيّر من موقفها، كما لا يمكن للقيادة الفلسطينية أن تتنازل أكثر".

التفاف مع العرب لدفع الفلسطينيين نحو القبول؟

يقف الموقف العربي مع موقف السلطة الفلسطينية في إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967، لكن مع الخطة الأمريكية الجديدة التي ترفض حلّ الدولتين، يظهر حلفاء أمريكا من العرب في خلاف عميق مع ترامب، من معالمه أنه حتى البحرين، منظمة المؤتمر، نقلت في وكالتها الرسمية، أنها "ثابتة لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة"، وأن "ورشة الاقتصاد ليس لها أي هدف سوى تمكين الشعب الفلسطيني من النهوض بقدراته".

غير أن عدة تقارير إعلامية ربطت بين تحضير واشنطن لـ"صفقة القرن" وبين قبول ضمني بها من دول عربية متعددة، خاصةَ على ضوء تنامي العلاقات بين إسرائيل وبين عواصم عربية في الآونة الأخيرة. ومن ذلك مقال سابق لـ"يديعون أحرونوت" الإسرائيلية بأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "سيعمل على تجنيد العالم العربي المعتدل لدعم الصفقة"، بينما كانت الرياض قد أعلنت عن موقفها بأن الصفقة لن تمر دون تأكيد على حق الفلسطينيين في إقامة دولة، رغم ما ترّدد عن أن محمد بن سلمان كان متحمساً للصفقة.

"التطبيع العربي-الإسرائيلي أضحى تحصيل حاصل، والتنسيق بين بعض الدول العربية وإسرائيل بات أمراً واضحاً" يؤكد كامل وزنة، لكن هذا التطبيع قد لا ينجح في دفع الجانب الفلسطيني إلى تغيير موقفه، يستطرد وزنة.

بيدَ أن ترامب يدرك أن عدداً من الدول العربية تحتاج إلى دعمه ويمكنه أن يقايض بهذا الدعم مواقفَ لصالح إسرائيل، خاصة أنه لا يجد حرجاً في تأكيد أن السعودية لن تواجه أعداءها دون أسلحة أمريكية، وهو بهذا يضع الرياض وحلفاءها أمام خيار صعب: بين الانحياز له وبالتالي خلق المزيد من الغضب الشعبي، أو بين الانتصار للموقف الفلسطيني وبالتالي الوقوع تحت دائرة "الابتزاز". وبين الخيارين، قد تستمر عواصم عربية على الثبات على موقفها، وأخرى قد تنحاز رويداً رويداً لخطّ ترامب، بمبرّر تحقيق الرفاهية للشعب الفلسطيني.

الكاتب: إسماعيل عزام

تابعنا