رشا حلوة: الهجوم على رانيا يوسف يسيء للمرأة المصرية، وليس فستانها!

في مقالها* لـDW عربية تنطلق الكاتبة الصحفية رشا حلوة من قضية الهجوم على الفنانة المصرية رانيا يوسف بسبب لباسها في مهرجان سينمائي، لتتساءل عمن له الحق في إختيار ما تلبس المرأة.

وسط الضجة التي أثارها فستان الممثلة المصرية رانيا يوسف، انتشرت على إحدى صفحات فيسبوك صورة للراقصة والممثلة المصريّة سامية جمال، والتي التُقطت لها في الأهرام إلى جانب تمثال أبو الهول عام 1960. لحظنا، أو لسوئه - لا أعلم - لم تكن آنذاك منصات رقمية تشكّل فضاءً مستمر للهجوم على البشر، أو عفوًا، للهجوم على النساء، أو كي أكون أكثر وضوحًا: لمواصلة تعنيف النساء والاعتداء عليهن في فضاء إضافي من الفضاءات التي بمعظمها لم تعد تشعر فيها بالأمان، وأولها البيت. ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة صدر مؤخرًا فان معدل 137 امرأة بالعالم تُقتل يوميًا على يد شريكها أو أحد أفراد العائلة، مما يجعل البيت أكثر الأماكن غير آمنة بالنسبة للنساء.

وبالعودة إلى رانيا يوسف، التي شاركت في حفل اختتام مهرجان القاهرة السينمائي بفستان لم يعجب عددًا كبيرًا من الناس، والمشكلة لا تكمن بأنه "لم يُعجِب"، فبالنهاية، الناس أذواق، هنالك من أحبّ الفستان، لأنه ذوقه أو ذوقها مشابه، وهنالك من لن يفكر بشراء مثله، ليس لأنه يُظهر الساقيْن، بل لأنه لا يُناسب أذواقهن/م، وبالأذواق لا من نقاش، تمامًا مثل أنه لا يمكن اقناع أحد بأن يحبّ نوع ما من الطعام. المشكلة هي أن "عددا كبيرا من الناس"، من فئات وشرائح مجتمعية مختلفة وأعمار متعددة، منهم فنانين/ات، نقابة الفنانين/ات، الجمهور، كل من لا شأن له بفستان رانيا وبحياتها وجسدها، هاجمها وشتمها، وما زال عبر كل المنصات المتوفرة، كما قام ثلاثة محامين بتقديم بلاغ ضد رانيا يوسف بتهمة "الفعل العلني الفاضح والإساءة للمرأة المصرية"، مما اضطر الفنانة إلى أن تصدر بيانًا اعتذاريًا.

في سياق الهجوم الشرس المتواصل الذي تتعرض له الممثلة جراء فستانها الذي يكشف عن ساقيها، ومن الجدير بالذكر أن ملكية ساقيها تعود لها فقط، ولا لشخص آخر، هنالك ادعاءات تكررت منها على ألسنة فنانين ومحامين، وكذلك ضمن البلاغ العام الذي قُدّم ضدها، مفادها بأن الفستان وظهور رانيا به "خدش الحياء العام"، "وأساء للمرأة المصرية" و"لا يتوافق مع تقاليد المجتمع وقيمه وطبائعه الأخلاقية".

بداية، التركيز على قصّة فستان رانيا يوسف لا يعني أن هذه الضجة ما كانت تحدث مع فنانة أو امرأة في بلد آخر، فهنالك بلاد ما زالت تعتقل باسم القانون نساء بتهمة أن لباسهن "يخدش الحياء العام"، والحديث عن "أزمة الفستان" هو نموذج لما تتعرض له المرأة من انتهاكات واعتداءات يومية ومتنوعة الأشكال، على أي أمر متعلّق بحريتها في الاختيار والقرار، بدءًا من الفستان، مرورًا بمهنتها حتّى شريك أو شريكة حياتها.

وهنا يُطرح السؤال وحده، بما يتعلّق بمصر أو أي دولة عربية أخرى تعيش فيها النساء في ظل قمع مستمر ومتعدد الأشكال: إن القصص التي نسمعها، بحق الرجال والنساء والأطفال، القتل، الاعتقالات المستمرة، البطالة والفقر، هدم البيوت والتهجير، المجاعة وغيرها من المآسي، أليس على كل هذه الأحداث اليومية أن تخدش الحياء العام أكثر من فستان رانيا يوسف؟! أليس الاعتداء والتحرّش الجنسي، الكلامي والجسدي، والاغتصاب الجماعي للنساء وقتلهن من المفترض أن يخدش الحياء العام أكثر من قرار امرأة، سواء كانت فنانة أو لم تكن، بأن ترتدي ما تريد!؟

من الواضح أن الإجابة في واقعنا اليوم هي: كلا. خاصّة عندما تتعلق المسألة بالنساء، والمثليين/ات، والعابرين/ات للجنس، وكل من "يمسّ" بقراره/ا واختياره/ا لشكل حياته، ذكورية مجتمعاتنا، هذه العقليات الذكورية التي هي ليست بالضرورة عقليات رجال فقط، فهنالك عدد كبير من النساء مارسن الهجوم ذاته على رانيا يوسف، وشاركن في هذا القمع تحديدًا، ويشاركن - للأسف - في أشكال أخرى من قمع نساء أخريات، وفي مسألة الحريات، نعود أن نذكر أنه بإمكاننا أن لا نحبّ أو نُعجب بأداء ما أو ظهور امرأة ما إلى الفضاء العام، لكن متى تتوقف هذه "الوصاية" على النساء؟ الوصاية النابعة من بأنها "عقلها ناقص" مقارنة بالرجل، وأن على الذكورية بكافة أشكالها القرار "بما يناسب المرأة وحياتها"، وفي أحيان كثيرة، القرار "بقتلها" لأنها "عار على المجتمع"!
في ظلّ الهجوم على رانيا يوسف، تُجدر الإشارة إلى الأصوات المتضامنة معها، من أفراد ومؤسسات، منها مؤسسة "حرية الفكر والتعبير"، والتي  أصدرت بيانًا تضامنيًا، ذكرت فيه: بأن الملبس حرية شخصية لأفراد المجتمع، لا يجوز بأي حال توقيع عقوبات إدارية أو جنائية تتعلّق به، مطالبة الدولة المصرية ومؤسساتها باحترام المواثيق الدولية وبنود الدستور التي تؤكد كفالة الحقوق الشخصية، ضمنه حرية الملبس، كما دعت إلى التوقف عن المساءلة الأخلاقية.

خاضت وتخوض النساء المصريات معارك عديدة من أجل حرياتهن، سواء على مستوى فردي أو جماعي، منها حملات حول "حرية المبلس"، خاصة في ظل التحرش بالنساء في الفضاءات العامّة، آخرها كانت حملة "هنبلس فستان"، والتي أطلقتها حركة "ثورة البنات" من خلال فيسبوك، هدفت إلى تشجيع الفتيات على ارتداء الفساتين "كعودة لشكل البنت المصرية الرقيقة التي لا تخشى شارعًا مليئًا بالمتحرشين"، وكوسيلة أخرى لمحاربة التحرّش، لكن للأسف، وعلى ما يبدو، أنه بإمكان المرأة أن تجد المتحرشين اليوم في كل مكان؛ في الشارع، في الفيسبوك وفي البيت أيضًا.

ومن هنا، سأتطرق سريعًا إلى الادعاء الآخر ضد رانيا يوسف، وهو "الإساءة إلى المرأة المصرية"، والأسئلة التي تُطرح هنا: من يُحدد من هي المرأة المصرية ومن لا؟ على أيّة معايير يرتكز هذا التعريف؟ على هذا الأساس، هل سامية جمال أساءت للمرأة المصرية أيضًا؟ وهل النساء اللواتي تعرضن ويتعرضن للعنف، لسنَ نساء مصريات؟ على ما يبدو، إذ قررت امرأة أن تفعل ما تشاء، تتوقف عن كونها امرأة مصرية، لكن عندما تُقمع، تعود إلى "قواعد المجتمع سليمة"، حسب معاييره.

إن العقليات الذكورية لا من مشكلة لديها غالبًا أن تواصل التعامل مع المرأة ككيان جنسي خاضع لها، ينفذ أوامرها ورغباتها، على أن تواصل النساء إملاء ما ترى هذه العقليات بأنها أدوارها في المجتمع، وتخضع لسلطتها وسيطرتها، وأن لا تهزّ موازين القوى هذه، منها حريتها بالملبس وظهورها في الفضاء العامّ، تمامًا، كما أداء هذه العقليات إزاء المثليين والعابرين للجنس وظهورهم في الفضاءات العامّة، حيث ينتج عن هذا الواقع رغبة بالهروب إلى  أمكنة أكثر آمنة بالنسبة لهم، كي يستطيعوا ارتداء ما يريدون، بلا خوف من أيّ هجوم يمكن أن يتعرضوا له، أو "حكم أخلاقي" عليهم، في الزمن الذي لم نعد نعرف كيف يتم تحديد "المعايير الأخلاقية"، وكيف يمكن أن تكون الإساءة لأي شخص، سواء امرأة أو رجل أو طفل، هي باسم "التقاليد المجتمعية".


الموضوع يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.