سوريا - قراءات في أسباب وتداعيات "التغير" في الموقف السعودي

انشغل المتابعون للشأن السوري بتصريحات نُسبت لوزير الخارجية السعودية، فحواها الطلب من المعارضة "بلورة رؤية جديدة حيال مستقبل بشار الأسد". ما أسباب بداية "التغير" في موقف الرياض؟ وما انعكاسات ذلك على المعارضة؟

أوردت وكالة "أسوشيتد برس" أمس الخميس (24 آب/أغسطس 2017) أن وزير خارجية السعودية، عادل الجبير، دعا "الهيئة العليا للمفاوضات" لوضع "رؤية جديدة" حول تسوية الأزمة في سوريا ومستقبل بشار الأسد. واستندت "أسوشيتد برس" في خبرها، حسب ما قالت، إلى مصدر سعودي "مطلع طلب عدم الكشف عن هويته". وأضاف المصدر: "لم يصرح الجبير بوضوح أن بشار الأسد من الممكن أن يبقى في السلطة، لكن، إذا قرأنا بين السطور ما يقال حول ضرورة وضع رؤية جديدة، فما هي القضية التي تمثل الموضوع الأساسي للجدل؟ هل يبقى بشار الأسد أم لا".

لا دخان بلا نار؟

أكد سليمان النمر، رئيس الملتقى الخليجي للدراسات والتحليل السياسي، في حديث خاص لـDW عربية ما يتم تناقله عن وجود "تحول سعودي" تجاه الأزمة السورية، مؤكداً "اطلاعه" على هذا الأمر منذ عدة أسابيع. وعن مصادره أبلغنا النمر أنها "من أشخاص حضروا لقاء الجبير والهيئة العليا للمفاوضات"، ويتابع "بعد ذلك اللقاء بأسبوع أبلغ وكيل وزارة الخارجية السعودية للشؤون السياسية وفداً من الائتلاف السوري المعارض نفس الكلام". إلا أن النمر عاد واستدرك أن الجبير أبلغ الهيئة أنه يجب عليهم الإصرار أن يكون بقاء الأسد "لفترة زمنية محددة" فقط.

وبالمثل يقرأ رئيس تحرير النشرة العربية لصحيفة لوموند ديبلوماتيك قبل توقف صدورها، سمير العيطة، في تصريح خاص لـDW عربية "بداية تحول" ويرى أن السعودية تسير على نهج فرنسا في "التغيير التدريجي" لموقفها في الأزمة السورية. ويشار إلى أن تغيراً طرأ على الموقف الفرنسي، حيث تخلت باريس عن مطالبتها بتنحي بشار الأسد كشرط مسبق للمحادثات رغم أن المسؤولين الفرنسيين ما زالوا مصرين على أنه لا يمكن أن يكون جزءا من مستقبل سوريا في الأجل الطويل.

"انشغال بملفات أخرى"

من بين أسباب بداية التحول في الموقف السعودي يورد سليمان النمر: "أولاً، تسعى السعودية الآن للتركيز أكثر على الملف اليمني وإنهاء الحرب وصولاً لإيجاد نظام هناك حليف لها أو مهادن على الأقل.

Jemen Luftangriff auf Sanaa

تخوض السعودية منذ أكثر من سنتين حرباً في اليمن ضد الحوثيين وقوات علي عبدالله صالح

ثانياً، تعمل السعودية في الوقت الحالي على الاهتمام أكثر بالأوضاع المحيطة بحدودها. ومن هنا جاء تحسن العلاقة مع العراق لتأمين حدودها من الميلشيات المحسوبة على إيران. ثالثاً، تعمل على تأمين الأوضاع الداخلية في مجلس التعاون وعدم السماح لإيران بالتدخل من خلال فرض الوصاية على الشيعة في المنطقة".

ويذهب الباحث في "معهد الشرق الأوسط" بجامعة سنغافورة، فنار حداد، في تصريح لوكالة فرانس برس نفس المذهب: "استضافة الصدر في الرياض وأبو ظبي تظهر للمنافسين الإقليميين، وخصوصاً إيران، أن السعودية والإمارات قادرتان على الاستفادة من الشيعية السياسية في العراق والتأثير فيها". يوافق الباحث في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، مايكل نايتس، على هذه الفرضية بالقول إن السعودية والإمارات "ترغبان بتطوير تحالفاتهما داخل العراق من أجل صد النفوذ الإيراني". وعلى الأرض تُرجم التقارب بزيارات لمسؤولين رفعي المستوى والإعلان عن قرب فتح معبر عرعر الحدودي بين البلدين والإعلان عن تشكيل لجنة تجارية مشتركة بين البلدين.

"التغيرات على الأرض"

من جانبه يرى سمير العيطة، الاقتصادي والكاتب الصحفي، أن الأسباب الرئيسية هي "التغيرات على الأرض، وأبرزها التقدم الروسي المدعوم أمريكياً والتفاهم بين تلك القوتين والذي تُرجم في "اتفاق الجنوب"، الذي "أبعد الأتراك والإيرانيين والإسرائيليين عن دائرة التأثير في الجنوب السوري". وقد تم التوصل للاتفاق في 9 تموز/يوليو الماضي بين الولايات المتحدة وروسيا على هدنة في ثلاث محافظات هي درعا والسويداء والقنيطرة. وقبل أمس الأربعاء (23 أغسطس/آب 2017) أعلنت وزارة الخارجية الأردنية أن مركز عمان لمراقبة وقف اطلاق النار في جنوب سوريا باشر عمله بمشاركة ممثلين عن الأردن وروسيا وأمريكا.

 ويورد العيطة سبباً آخر وهو "محاولة السعودية البحث عن علاقات جيدة مع الصين وروسيا وغيرها من الدول، بعد اهتزاز العلاقات مع قطر وتركيا".

مواضيع

فشل اجتماع "توحيد" المعارضة

انتهى الثلاثاء الماضي (22 آب/ أغسطس 2017) اجتماع في الرياض بين "الهيئة العليا للمفاوضات" و"منصة القاهرة" و"منصة موسكو" دون التوصل إلى اتفاق لوضع استراتيجية مشتركة تفاوضية وتشكيل وفد موحد "لجميع أطياف المعارضة السورية" إلى مفاوضات جنيف مع النظام في شهر سبتمبر/أيلول القادم. غير أن أهم نقطة حالت دون الخروج بنتائج هي "مستقبل الأسد". وأعلنت الهيئة في بيان صدر عنها عقب المفاوضات أن الأطراف المشاركة فيها لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق بسبب إصرار "منصة موسكو" على عدم طرح موضوع تنحية الأسد كشرط مسبق في اجتماعات جنيف. وأكدت "الهيئة العليا للمفاوضات" وجود "قدر مهم من التفاهم مع منصة القاهرة".

Schweiz Syrische Opposition bei Friedensgesprächen in Genf

تم تشكيل "الهيئة العليا للمفاوضات" بتنسيق ودعم من السعودية وقطر

ومن جانبها أعلنت الأمم المتحدة أنها "لا تزال تقيّم نتائج محادثات الرياض بين الحكومة السعودية وثلاث من جماعات المعارضة السورية وعلى هذا الأساس ستتخذ قرار عقد محادثات جنيف في سبتمبر/أيلول".

من سيدفع الثمن؟

يبقى السؤال أي من أطراف معادلة المعارضة السورية سيدفع ثمن إعادة التموضع السعودي الجديد. يشدد سليمان النمر على أن "المملكة تحاول تخفيف التزاماتها تجاه المعارضة السورية المسلحة تاركة الشق العسكري للولايات المتحدة". ويدلل النمر على كلامة بزيادة التدخل العسكري الأميركي في الشمال والجنوب السوريين. غير أنه يعود ويؤكد أن "السعودية ما زالت تتبنى المعارضة السياسية" وأن "التأييد السياسي" سيزيد.

أما سمير العيطة فيعتقد أن السعودية "لن ترفع يدها عن المعارضة" (الهيئة العليا للمفاوضات)، غير أنها "ستعيد هيكليتها". ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: بأي اتجاه؟ عن ذلك يجيب العيطة: "يشكل الائتلاف الجسم الأكبر في الهيئة العليا للتفاوض. وهو مدعوم قطرياً. وفي ظل الأزمة الخليجية سيتم تحيده أو يأخذ دوراً أقل بكثير من دوره الحالي".

خ.س/ي.ب

قطعت السعودية الاحد 3 يناير/كانون الثاني 2016 علاقاتها الدبلوماسية مع إيران ردا على الهجوم على بعثاتها الديبلوماسية فيها وعلى الموقف الإيراني المنتقد بشدة لإقدام الرياض على إعدام رجل الدين السعودي الشيعي نمر النمر. وليست هذه هي الأزمة الدبلوماسية الأولى بين البلدين.

شهدت سنة 1943، أول أزمة دبلوماسية بين البلدين إثر إعدام السعودية لأحد الحجاج الإيرانين بعد إدانته بتهمة إلقاء القاذورات على الكعبة وغيرها من التهم الأخرى. وبعد هذا الحادث قطعت العلاقات الدبلوماسية بشكل رسمي عام 1944، لتعود بعد عامين من جديد.

توترت العلاقات بين السعودية وإيران في يوليو تموز عام 1987 عندما لقي 402 حاجا مصرعهم ومن بينهم 275 حاجا إيرانيا، أثناء أدائهم فريضة الحج، في منى في صدامات مع الشرطة السعودية.

خرج محتجون إلى شوارع طهران واحتلوا السفارة السعودية وأشعلوا النار في السفارة الكويتية. وتوفي الدبلوماسي السعودي مساعد الغامدي في طهران متأثرا بجروح أصيب بها عندما سقط من نافذة بالسفارة واتهمت الرياض طهران بالتأخر في نقله إلى مستشفى في السعودية. وهو ما دفع الملك فهد بن عبد العزيز الى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أبريل نيسان عام 1988.

اعيدت العلاقات بين البلدين عام 1991 بعد لقاء بين الملك عبد الله بن عبدالعزيزآل سعود بالرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني في العاصمة السنغالية داكار في ديسمبر 1990 خلال مؤتمر القمة الإسلامي السادس، ثم فتحت سفارتيهما في الرياض وطهران في مارس 1992.

زار الرئيس الإيراني محمد خاتمي(يمين الصورة) السعودية عام 1999بعد عامين من توليه منصبه، خلفا للرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني. وكانت تلك أول زيارة يقوم بها رئيس إيراني للمملكة منذ قيام الثورة عام 1979. وتوج البلدان تحسن العلاقات باتفاق أمني في أبريل نيسان عام 2001.

هنأ الملك فهد الرئيس الايراني محمد خاتمي لفوزه في الانتخابات عام 2001 وقال إن هذا الفوز يمثل إقرارا لسياسته الاصلاحية. وكان خاتمي وهو من رجال الدين الشيعة قد سعى من أجل تقارب البلدين بعد فوزه الساحق الأول عام 1997 وإنهاء ما يقرب من 20 عاما من توتر العلاقات بينهما في أعقاب قيام الجمهورية الاسلامية عام 1979.

أبلغت السعودية مبعوثا إيرانيا في يناير كانون الثاني عام 2007 أن إيران تعرض منطقة الخليج للخطر وذلك في إشارة للصراع بين للجمهورية الاسلامية والولايات المتحدة حول العراق وعلى البرنامج النووي الايراني. بعدها وتحديدا في شهر آذار/ مارس من نفس العام قام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بزيارة للرياض لتهدئة الأوضاع بين البلدين.

منذ عام 2012 أصبحت السعودية الداعم الرئيسي لقوات المعارضة التي تقاتل للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد حليف إيران. واتهمت الرياض الأسد بارتكاب "إبادة جماعية" وايران بأنها أصبحت قوة محتلة. هذا فيما اتهمت طهران الرياض بدعم الارهاب.

في 14 تموز/ يوليو 2015 تم في فيينا التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني بعد أكثر من 10 سنوات من المفاوضات. وهو ما أثار حفيظة القيادة السعودية، التي عبرت عن قلقها من هذا الاتفاق، معتبرة أن من شأنه تعزيز نفوذ إيران في المنطقة.

توترت العلاقات الإيرانية السعودية بعد حادثة تدافع منى بموسم حج عام 2015 وخاصة بعد أنباء عن سقوط عدد كبير من الإيرانيين قتلى في الحادثة ، قابله صمت شبه مطبق من السلطات السعودية. أعادت هذه الحادثة للواجهة، مطالب الإيرانيين بتسيير مشترك لمناسك الحج تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي .

في مارس أذار 2015 بدأت السعودية حملة عسكرية في اليمن لمنع الحوثيين المتحالفين مع إيران من الاستيلاء على السلطة. واتهمت الرياض إيران باستخدام مسلحي الحوثيين لتنفيذ انقلاب. في حين قالت طهران إن الضربات الجوية التي تنفذها الرياض تستهدف المدنيين