علاء الأسواني: من يقرأ الأدب في مصر..؟!

في هذا المقال يسأل علاء الأسواني: "من يقرأ الأدب في مصر..؟!"

من سنوات تناقشت مع مهندس شاب ففوجئت به يهاجم الأديب الكبير نجيب محفوظ ويؤكد أنه حصل على جائزة نوبل لأنه هاجم الإسلام في روايته "أولاد حارتنا ".. سألته:

-      هل تعلم أن جائزة نوبل لا تمنح لعمل أدبي واحد وإنما لمجمل أعمال الأديب؟

أجاب بثقة:

-      بغض النظر عن ذلك. لقد كافئوه على هجومه على الإسلام.

-      هل قرأت رواية أولاد حارتنا..؟!

-      لم أقرأها

-      ماذا قرأت لنجيب محفوظ؟

فكر الرجل قليلا ثم قال:

-      قرأت له كتاب "المعذبون في الأرض".

أخبرته بهدوء أن "المعذبون في الأرض" من تأليف طه حسين وليس نجيب محفوظ ثم أنهيت المناقشة.

هذا المهندس الجاهل للأسف ليس نموذجاً نادراً في مصر ؟ لو أنك سألت عشرة أشخاص من معارفك عن قراءاتهم الأدبية فإن إجاباتهم ستصدمك. معظم المصريين والعرب لا يقرأون الأدب والاحصائيات التي قارنت بين العرب والغربيين في القراءة الأدبية تثير الخجل.

لقد جاء مثلاً في "تقرير التنمية الثقافية" لعام 2011 الصادر عن "مؤسسة الفكر العربي" أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً.. قلة القراءة الأدبية في مصر ترجع في رأيي للأسباب الآتية:

أولاً: منذ بداية الحكم العسكري لمصر عام 1952 أخذ مستوى التعليم في التدهور حتى خرجت مصر مؤخراً من التصنيف العالمي للتعليم.. هذا التدهور لا يرجع إلى مجانية التعليم وإنما يعود إلى منح المناصب في مجال التعليم لشخصيات موالية للنظام تفتقر إلى الكفاءة لأن القاعدة في الحكم العسكري ان الولاء أهم من الكفاءة.

ثانياً: أدى انتشار الإسلام السياسي إلى عدم الاهتمام بالأدب. إن الأدب برحابته الانسانية وتعاطفه مع كل البشر بعيوبهم وانحرافاتهم لا يناسب عقلية الإسلاميين التي ترى العالم بلونين اثنين فقط: الأبيض للمؤمنين والأسود للكفار والفاسقين. عضو الإخوان المسلمين يخضع إلى جدول للقراءة يحدده التنظيم لا يشمل الأعمال الأدبية كما أن الشاب الذي ينضم إلى الحركات السلفية الوهابية يتعلم من شيوخه أن كل ما يهمه في الدنيا موجود بين صفحات القرآن وبالتالي لا ضرورة لقراءة الأدب الذي يحتوى عادة على مشاهد عاطفية قد تثير الشهوات وتفتن الإنسان في دينه.

ثالثاً: لم تعد القراءة الأدبية شرطاً للترقي الاجتماعي في مصر. إن حسن المظهر وإجادة اللغات الاجنبية والكمبيوتر والطبقة الاجتماعية الراقية والعلاقات بأصحاب النفوذ، كلها مواصفات ستساعدك قطعاً على الحصول على فرصة عمل جيدة، أما الثقافة الأدبية فلم تعد سمة تميزك أو تمنحك أي تفوق أو جدارة.

رابعاً: الإعلام المصري الذي تسيطر عليه المخابرات يبث على مدى ساعات يومياً المسلسلات الدرامية ومباريات كرة القدم وأخبار اللاعبين وحكايات الطلاق والزواج بين نجوم السينما، بينما لا يخصص أي وقت للبرامج الأدبية. ليس إهمال الأدب في الإعلام من قبيل المصادفة فلاشك أن المخططين للإعلام يعلمون أن الشعب إذا قرأ الأدب سيثور ضد الديكتاتور.

خامساً: الأدباء في العالم كله يدافعون عن الديمقراطية ويدفعون ثمن مواقفهم من حياتهم وحريتهم، أما الأدباء في مصر فإن كثيرين منهم متوائمون تماماً مع الديكتاتور وهم يعتبرون الأدب مجرد صنعة ووسيلة رزق وليس رسالة إنسانية، وبالتالي فإنهم يدعمون نظام الاستبداد مقابل حصولهم على جوائز الدولة ومناصب بمرتبات مجزية في وزارة الثقافة. تواطوء الأدباء مع الديكتاتور يبعدهم عن تعاطف الناس ولا يشجع أحداً على قراءة أعمالهم.   

سادساً: أدى غياب القراء إلى عدم وجود رأي عام أدبي في مصر كما أدى الفساد المصاحب للحكم العسكري إلى إفساد نقاد كثيرين مما جعل الحركة الأدبية أشبه بمستنقع آسن يحكمه أفراد قليلون يحتكرون السلطة الأدبية ويملكون تصعيد أي أديب أو القضاء على مستقبله الأدبي. هذا الاستبداد الثقافي كثيراً ما يروج لأعمال أدبية ركيكة ينصرف عنها القراء.

سابعاً غياب الأدب في التعليم والإعلام أدى إلى انتشار الجهل بطبيعة الأدب الإبداعية ولعل البلاد العربية المكان الوحيد في العالم الذي يقاضي فيه أصحاب مهنة معينة الأديب إذا قدم في روايته شخصية من مهنتهم بطريقة لا تعجبهم. هذا الخلط الساذج بين الخيال والواقع كان موجوداً في أوروبا منذ قرنين فقد حوكم الأديب الفرنسي جوستاف فلوبير عام 1857 لأنه قدم شخصية الزوجة الخائنة بشكل متعاطف في روايته "مدام بوفاري". ومنذ ذلك الحين تعلم الناس في العالم المتقدم أن الأدب يقدم نماذج إنسانية وليدة خيال المؤلف وأنه لا يجوز محاكمة الخيال.   

ثامناً: الأدب لا ينفصل عن الواقع الاجتماعي والسياسي فالإنسان يقبل على قراءة الأدب عندما يشعر بأن له دوراً في تقرير ما يحدث في بلاده وقد زادت معدلات القراءة الأدبية خلال السنوات التى سبقت ثورة يناير. وكان آلاف القراء يتزاحمون على حفلات التوقيع بل إن الشباب الذى صنعوا هذه الثورة كانوا غالباً من قراء الأدب. أما الآن وقد تعثرت الثورة وصارت الثورة المضادة في الحكم فقد أكد لي ناشرون مصريون أن قراءة الادب قد تراجعت وكأنها كانت مواكبة للأمل في التغيير والقدرة على تحقيقه.

إن أزمة الأدب في مصر تؤكد مرة أخرى أن الجو المسموم الذي تصنعه الديكتاتورية يتسرب إلى كل المجالات بلا استثناء، وبالتالي فإننا لن ننتصر في معركة التغيير الديمقراطي إلا إذا استعاد الأدب دوره التنويري الفني ووصلت رسالته إلى الجماهير. إن الثورات لا تنتصر إلا بالوعي والوعي يستحيل أن يتحقق إلا بالمعرفة الإنسانية التي لا تكتسب أبداً إلا بقراءة الأدب.  

الديمقراطية هي الحل

draswany57@yahoo.com


تابعنا