مصر - أصوات نسائية شجاعة ضد التحرش الجنسي

بدأت نساء تعانين من التحرش الجنسي في مصر في إثبات أنفسهن، وفقا لمنظمات محلية غير حكومية. وبدأت أعداد متزايدة من تلك النساء وبشكل غير مسبوق، في إبلاغ الشرطة عن عمليات التحرش، والنضال من أجل سجن المتحرشين.

تقول نعمة جمال (32 عاما) عن الرجل الذي تحرش بها "كان من الصعب اقتياده إلى قسم الشرطة". فبعد يوم عمل شاق صدمت عندما تحرش بها رجل من الخلف علنا بينما كانت تركب مع صديق عربة "ميكروباص" في طريقها إلى البيت بالقاهرة في عام 2013.

تروي نعمة ما حدث: "صرخت بعلو صوتي وقلت للسائق توقف عند أقرب قسم للشرطة. لحسن الحظ، كان السائق متعاونا وكان قسم الشرطة قريبا منا. ولكن المعتدي، وهو رجل يبلغ من العمر 52 عاما، قفز من نافذة السيارة وفر هاربا. قفز صديقها معها من الميكروباص وأمسكا بالمعتدي واقتادتاه إلى قسم الشرطة. ثم بدأت نعمة جمال رحلة البحث عن محامٍ.

خطا تقدممنذالثورة

بات التحرش الجنسي لفترة طويلة مشكلة في مصر، وخصوصا خلال الأعياد الوطنية والدينية، لكنه تحول إلى موضوع للنقاش العام المكثف في أعقاب ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 ضد رئيس مصر وقتها حسني مبارك. ثم أصبحت أخبار الاعتداءات الجنسية الجماعية، والتحرش والاغتصاب في ميدان التحرير بالقاهرة تحتل عناوين الصحف القومية والدولية.

تقول انتصار السعيد، المديرة التنفيذية لمركز القاهرة للتنمية، وهي مجموعة رائدة في مجال حقوق المرأة، في حوارها مع DW: "التغطية الإعلامية المستمرة للاعتداءات الجنسية التي وقعت خلال الاحتجاجات في ميدان التحرير أثناء وبعد الثورة ساعدت في إنهاء نفي الرأي العام لهذه الظاهرة."

ميدان التحرير بالقاهرة ارتبط اسمه في البداية بالثورة ثم تحول إلى ساحة للتحرش جنسيا بالنساء

في أعقاب الثورة، نظم متطوعون حملات لإنقاذ النساء اللاتي تتعرضن لتحرش الغوغاء خلال الاحتجاجات، وظهرت شعارات مناهضة للتحرش على الجدران في جميع أنحاء منطقة وسط القاهرة، وبدأ المزيد من النساء بشكل علني مشاركة قصصهن وخبراتهن مع التحرش الجنسي. وهكذا أصبح التحرش منذ عام 2014 جريمة عقوبتها تتراوح بين السجن والغرامات المالية.

وينص القانون، الذي يتضمن عقوبة السجن والغرامة أو كليهما، على أن المتحرش الجنسي، هو الذي يزعج الآخرين في مكان عام أو خاص من خلال تعقبهم أو مطاردتهم، وذلك باستخدام الإيماءات أو الكلمات أو من خلال وسائل الاتصال الحديثة أو بأي وسيلة أخرى تصدرعنها أفعال تحمل تلميحات جنسية أو إباحية.

منذ قيام الثورة، بدأت المنظمات غير الحكومية وجماعات حقوق الإنسان ملاحظة تحول واضح في مواقف النساء تجاه هذه الظاهرة. ووفقا لهذه المنظمات فإن الإبلاغ عن حالات التحرش يتزايد كما تتزايد الحالات التي يعاقب فيها المتحرشون بالسجن.

تقول انتصارالسعيد: "بالطبع، هناك تقدم"، موضحة أن منظمتها قد كسبت أكثر من 15 قضية تحرش جنسي منذ عام 2013، ومعظمها انتهى بالسجن بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ في العام التالي، وكان ذلك قبل تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي بأيام قليلة.

في وقت لاحق من ذلك العام، زار السيسي امرأة في إحدى مستشفيات القاهرة بعد أن تعرضت لاعتداء وحشي من قبل مجموعة من الرجال خلال احتفالات تنصيبه في ميدان التحرير. وأهداها السيسي زهورا، واعتذرلها وتعهد باتخاذ إجراءات صارمة ضد التحرش الجنسي. وفي الشهر التالي، حكم على سبعة رجال بالسجن المؤبد، وعلى رجلين آخرين بالسجن لأكثر من 20 عاما على خلفية الاعتداءات التي وقعت حول ميدان التحرير.

الذراعالطويلةللقانون

في قسم الشرطة، نعمة جمال، مع صديقها، الذي جاء كشاهد، يبلغ أنها تعرضت للتحرش الجنسي. وتقول نعمة: "في الواقع، اعتقد أنه لولا شجاعتي في ذلك الوقت ومساعدة صديقي، لما استطعت رفع دعوى قضائية ضد المتحرش". وأضافت: "قبل ست سنوات، كان لا يمكنني أن أفعل ذلك"، مسلطة الضوء على التغيير الذي طرأ على شخصيتها ومسترجعة إحباطها من موقف ضباط الشرطة، عندما ذهبت لأول مرة للإبلاغ عن تعرضها لتحرش جنسي في عام 2010.

نعمة جمال كانت شجاعة بما يكفي لتلاحق الرجل الذي تحرش بها

وتحكي نعمة "عندما تعرضت للتحرش الجنسي في تلك السنة، انفجرت في البكاء. ثم ركضت إلى قسم الشرطة للإبلاغ عمَّا حدث، ولكنهم في قسم الشرطة سخروا مني وأعطوني رقم محضر خاطئ"، وكانت نعمة قد تعرضت لهجوم من قبل رجل كان يحاول لمسها من الخلف بينما كانت تسير في شارع مزدحم.

وأضافت نعمة: "في ذلك الوقت، لم يكن لدي الوعي الكافي. لم أكن أعرف كيف يمكن إدانة المتحرش"، ثم بدأت حضور حملات التوعية حول الاعتداءات الجنسية، نظمتها عدة منظمات غير حكومية مصرية. "وهكذا، عندما حدث ذلك مرة أخرى في عام 2013، كنت أعرف ما يجب القيام به"، تتابع نعمة.

طرقللمقاومة

لعبت العديد من مجموعات التوعية دورا لنشر الوعي في الجامعات ونشر حملات إعلانية في الأماكن العامة ضد التحرش الجنسي علاوة على حملات في التلفزيون والراديو. وقد تم إنشاء وحدات لمكافحة التحرش حيث يمكن للمرأة أن تبلغ عن حالات التحرش في أقسام الشرطة، وفي محطات النقل العام وفي الجامعات. وقد نشرت وزارة الداخلية ضابطات شرطة في الشوارع في أيام العطلات للمساعدة في منع التحرش الجنسي.

وقال فتحي فريد، أحد مؤسسي مبادرة "أمان" لمكافحة التحرش: "لا تزال هناك نساء يشعرن بعدم الارتياح من تحرير محضر في أقسام الشرطة حال تعرضهن للتحرش، لكنهن وجدن وسيلة أخرى للمقاومة."

"بعض النساء بدأن في استخدام عصيان كهربائية وأسلحة أرخص، مثل رذاذ الفلفل والدبابيس. كما أنهن في بعض الأحيان يصنعن فيديوهات وصوراً للمتحرشين بهن وينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي لفضح أفعالهم المشينة"، يضيف فتحي فريد لـDW.

الأوضاع فيما يخص الحماية من التحرش بدأت في التحسن، حسبما تقول نساء مصريات

في كشك في جامعة عين شمس، وهي واحدة من أكبر الجامعات في البلاد، التقت مجموعة من الطلاب - ذكورا وإناثا - مؤخرا لرفع مستوى الوعي (الصورة أعلاه) كجزء من الحملة العالمية لمناهضة العنف القائم على نوع الجنس.

قالت نورا سامح، إحدى المتطوعات البالغة من العمر 21 عاما إنها قد بدأت في اتخاذ الإجراءات بنفسها وأضافت: "أضربهم بحقيبتي، وأشتمهم وأحيانا أجري خلفهم."

وأوضحت نورا أنها قد أبلغت مرة واحدة عن تعرضها للتحرش الجنسي، لكن شيئا لم يحدث. هذا هو السبب في أنها قد بدأت في الثأر لنفسها، بنفسها.

وتقول نورا: "هذا الشيء المسمى التحرش الجنسي، أعتدت ألا أحكي لأحد عنه"، مضيفة: "الآن أنا أقول للجميع وأكتب عن ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي. هذه هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها محاربته." وترى نورا سامح أن التغيير كان بطيئا جدا.

تبرئةفيالمحكمة

أما نعمة جمال فقالت إن النضال كان طويلا لاقتياد المتحرش بها إلى ساحة المحكمة. صديق لها رأى "البوست"، الذي نشرته على الفيسبوك عن الحادث وساعدها في التواصل مع المنظمات غير الحكومية التي تولت قضيتها من أجل المصلحة العامة.

وقالت نعمة: "لم يستغرق الأمر وقتا طويلا للحصول على محام، ولكن الذي استغرق وقتا طويلا حقا هو الإجراءات القانونية. استغرق الأمر حوالي سنة ونصف حتى تم تحويل القضية إلى المحكمة". ولكن الأمر كان يستحق التصميم ولا سيما عندما حكمت المحكمة - في الجلسة الأولى - على المتحرش بالسجن لمدة خمس سنوات. وتؤكد نعمة جمال: "علينا أن نواجه التحرش ونقاومه، وإلا، فإنه سوف ينتشر أكثر وأكثر ولن يكون في مقدور أحد إيقافه!"

منة فاروق- القاهرة/ صلاح شرارة

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

"ست الحيطة"، الذي جاء كجزء من مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة، أعطي فنانات الشارع مساحة للتعبير عن أنفسهم وللسيدات المارات فرصة رؤية مشاعرهن على الحائط في الشارع يومياً.

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

المشاركات في هذا المشروع قدمن من بلدان مختلفة وبدأن العمل على ارتفاعات ما بين عشرة أمتار وخمسة عشر متراً. إحدى الفنانت، سلمى زكريا، تقول إنها تعبر عن الضغوط التي تتعرض لها المرأة في كل مكان.

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

حياة شعبان فنانة من لبنان تخطّ أشعاراً حول المرأة. قد تبدو رسومها طلاسم، إلا أن رسالتها واضحة. وتقول شعبان: "أحاول أن أدفع المارة إلى التساؤل حول ما هو مكتوب، وهو بالطبع عن المرأة".

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

إحدى الفنانات تشرح بعض الرسوم لأحد المارة، الذي يرى أن خروج النساء للتعبير عن أنفسهن على الجدران خطوة إيجابية نحو تمكين المرأة، ولكنه يحذر من أن "بعض النساء يقفن ضد حقوق النساء".

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

الفنانة السورية الروسية دينا سعدي تتخذ من القلوب طابعاً لرسوماتها، وتقول إن العربيات عموماً يعانين نفس الهموم ويجب على المرأة التتحرر من قيودها وإطلاق العنان لأحلامها، وهو ما تعبر عنه برسومها.

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

أبرز أعمال المشروع يصور الفنانة المصرية هند رستم وبجانبها كلمة "WOW"، وهي اختصار عنوان الورشة "Women On Wall". أحمد عبد الله، صاحب العمل الفني، يقول إن هند رستم بالنسبة له مثال للمرأة المصرية.

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

داخل الحرم اليوناني، غطت إحدى الفنانات جداراً ضخماً بألوان تشبه ألوان فستانها وكلمات مثل "فؤاد" و"القلب"، وتعتبر الجدار لوحتها التي سيتذكرها من خلالها العاملون هناك.

"ست الحيطة" .. المرأة على جدران الشارع المصري

يعد شارع محمد محمود من المناطق "المقدسة" لرسوم الغرافيتي منذ الثورة المصرية عام 2011، وهو أحد الشوارع المحيطة بالحرم اليوناني للجامعة الأمريكية الذي أقيم عليه مشروع "ست الحيطة". إعداد: وفاء البدري - القاهرة


مواضيع ذات صلة

تابعنا