1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

الحرب في الشرق الأوسط: إغراق للمنطقة أم فرصة للسلام؟

٢٦ أكتوبر ٢٠٢٣

بعد ارتفاع حدة الصراع بين إسرائيل وحركة حماس واتساع رقعة الحرب، يخشى خبراء من أن تغرق منطقة الشرق الأوسط في حرب أوسع، طويلة الأمد. لكن هناك من يرى أن الحرب الدائرة حاليا قد تتحول إلى فرصة لتحقيق السلام.

https://p.dw.com/p/4XnYQ
Israel I West Jerusalem
صورة من: David Silverman/Getty Images

في تعليقها على الحرب الدائرة حاليا بين إسرائيل وحركة حماس، تقول بنينا شارفيت باروخ من معهد دراسات الأمن القومي، وهو مركز أبحاث بجامعة تل أبيب في إسرائيل: "هذا هو الصراع الأسوأ والأصعب الذي شهدناه منذ تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948". ويخشى الخبراء أن تدوم هذه الحرب الدموية لمدة طويلة.

من جهته يرى أمجد شهاب، أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني في القدس الشرقية، أنه من المحتمل أن يتطور الصراع إلى حرب دينية تؤثر على المنطقةبأكملها.

في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول اخترقت عناصر تابعة لحركة حماس الحدود مع إسرائيل وارتكبوا عدة مذابح واحتجزوا رهائن. وتخللت الهجمات طلقات صاروخية. ومنذ ذلك الحين، ردت إسرائيل بإطلاق الصواريخ على قطاع غزة وفرضت حصارا كاملا عليه.

خلفية الصراع

يطالب الإسرائيليون والفلسطينيون بحقهم في أراض في منطقة تمتد من البحر الأبيض المتوسط غربا ​​إلى نهر الأردن شرقا. ويتكون نصفها من أراض صحراوية، ويبلغ طولها حوالي 400 كيلومتر وعرضها يصل إلى حوالي 100 كيلومتر. وتوجد فيها أماكن مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين.

منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 خاضت إسرائيل والفلسطينيون والدول العربية المجاورة عدة حروب. في عام 1948 وحده غادر حوالي 700 ألف فلسطيني وطنهم أو طُردوا من هناك. وفي المقابل، إلى غاية عام 1972 فر حوالي 800 ألف يهودي أو طُردوا من دول عربية وشمال إفريقيا بعد الحرب الإسرائيلية العربية الأولى في عام 1948.

وحتى يومنا هذا، لا تزال أجزاء كبيرة من الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي. ويطالب العديد من الفلسطينيين بإقامة دولتهم الخاصة وعودة اللاجئين وانسحاب، على الأقل، جزء من المستوطنين الإسرائيليين البالغ عددهم حوالي 700 ألف مستوطن من الضفة الغربية والقدس الشرقية. ويقول أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني أمجد شهاب: "الاحتلال هو المشكلة الرئيسية"، مشددا: "كلمة السر لحل الصراع هي: انتهاء الاحتلال".

مدينة جان يفنه (17/10/2023)، حيث جرى دفن عدد من ضحايا الهجوم الإرهابي الذي شنته حماس على إسرائيل.
خلف الاعتداء الإرهابي لحماس على إسرائيلين في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أزيد من 1300 قتيل صورة من: Yahel Gazit/Middle East Images/ABACA

أمّا إسرائيل، التي تتعرض بشكل متكرر لهجمات، وخاصة من جانب حركة حماس، فإن اعتراف الدول العربية بها وضمان أمنها هو العامل الحاسم بالنسبة لها. ووفقا لذلك فإن كلمة السر لدى الجانب الإسرائيلي هي: "فقط عندما ينتهي الإرهاب يصبح السلام ممكنا".

بيد أن المتشددين من الجانبين أبدوا مؤخرا عدم استعدادهم لتقديم أي تنازلات. فحماس، على سبيل المثال تنكر حق إسرائيل في الوجود وتريد منع التوصل إلى تسوية سلمية وتصنفها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أنها منظمة إرهابية. وتسيطر حماس منذ عام 2007 على قطاع غزة الذي تحاصره إسرائيل.

هل السلام ممكن رغم كل هذا؟

يحذر بعض الخبراء من أن الصراع قد يتصاعد الآن إلى حرب تمتد إلى المنطقة بأكملها. لكنّ العكس ممكن أيضا، كما تقول مارغريت يوهانسن في مقابلة مع DW. فخبيرة العلوم السياسية الألمانية والمتخصصة منذ عقود في الصراع بالشرق الأوسط، ما زالت تؤمن بالتسوية السلمية عبر اتفاق سلام.

لكن هل هذا ممكن على الرغم من أعداد القتلى الناجمة عن إرهاب حماس والقصف الإسرائيلي لغزة؟

تجيب يوهانسن عن هذا السؤال بالقول: "ما حدث أمر مروع جدا، لدرجة أنني أستطيع أن أتصور أن يكون بمثابة دعوة للاستيقاظ. ولا يسعني إلا أن أتمنى أن تكون هذه الدعوة قد تم سماعها".

وتقول يوهانسن إنه يمكن التوصل إلى حل وسط في غضون ثلاث سنوات، موضحة: "يجب أن تلتئم الجراح. ولا يسعنا إلا أن نأمل أن يكون هناك أشخاص يبذلون جهود الوساطة. فمن دون وساطة لن ينجح الأمر". وترى يوهانسن أن القوى الجديدة مثل الصين والهند أو الدول الأفريقية قد تضطلع بهذه المهمة.

جانب من الضحايا الفلسطينيين جراء القصف المكثف لإسرائيل على غزة
عدد كبير من الأطفال كانوا ضحية القصف الإسرائيلي على غزة الذي جاء ردا على هجوم حماسصورة من: Abed Khaled/AP/picture alliance

حل الدولتين

لعقود من الزمن كان يُنظر إلى حل الدولتين على أنه السبيل الوحيد لحل الصراع. في عام 1947، اقترحت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين، دولة يهودية وأخرى عربية؛ إلا أن الجانب العربي رفض ذلك.

ومع اتفاقيات أوسلو في عام 1993، أصبح حل الدولتين أقرب من أي وقت مضى في تاريخ الصراع. فقد انسحب الجيش الإسرائيلي من أجزاء من الضفة الغربية وأصبحت السلطة الفلسطينية المنشأة حديثا آنذاك قادرة على إدارة حوالي خمس المنطقة، كما مُنِحت سيطرة جزئية على خمس آخر.

ويعيش اليوم أكثر من 600 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية ويطالب الفلسطينيون بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وأعلنت إسرائيل القدس عاصمة أبدية وموحدة لهاـ واُعتبر "قانون القدس" ضما فعليا للجزء الشرقي من المدينة ذي الأغلبية العربية. وأعلن مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 478 بطلان الخطوة الإسرائيلية، ودعا إلى أن وضع المدينة يجب توضيحه في مفاوضات السلام. ومن جهتهم يرى الفلسطينيون  أن لهم الحق في إعلان القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية ذات السيادة. 

لكن الاستفزازات السياسية والهجمات الإرهابية وبناء المزيد من المستوطنات والصراع حول القدس الشرقية، وقبل كل شئ اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في عام 1995، دمرت الأمل في تعزيز مسار حل الدولتين. وتمكن معارضو الاتفاقيات من الجانبين من منع التوصل إلى اتفاقات أخرى.

ويقول الخبير الإسرائيلي ميراف زونزسين من مجموعة الأزمات الدولية: "حل الدولتين لا يزال فكرة جيدة لكن إمكانية تنفيذه تعتمد على مسألة ما إذا كان الجانبان والمجتمع الدولي على استعداد لتسخير رأسمالهم السياسي وطاقتهم لتحقيق ذلك. كثير من الناس اليوم لم يعودوا يعتقدون أن هذا ممكن".

تضاؤل الدعم لحل الدولتين

وفقا لاستطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، يعتقد واحد فقط من كل ثلاثة إسرائيليين أن التعايش السلمي مع دولة فلسطينية مستقلة أمر ممكن. قبل عشر سنوات، كان خمسون بالمائة من الإسرائيليين يؤمنون بحل الدولتين. وتم إجراء استطلاع الرأي هذا في ربيع عام 2023. والآن بعد الهجوم الإرهابي الذي شنته حماس، فمن المرجح أن تكون الأرقام أقل من ذلك لأن العديد من الإسرائيليين الأكثر علمانية ويسارية فقدوا أيضاً الثقة في السلام.

والوضع مماثل في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية ذات الحاسيسة الكبيرة سياسيا ودينيا، حيث أجرى معهد غالوب لاستطلاعات الرأي، استطلاعات قبل الهجوم الإرهابي الذي شنته حماس. وكانت نتائجه أن واحداً فقط من كل أربعة فلسطينيين يؤيد حل الدولتين. وفي عام 2012، كان ستون في المائة من الفلسطينيين يؤيدون ذلك.

ونظراً لعمليات تقطيع الضفة الغربية التي تمت نتيجة بناء العديد من المستوطنات الإسرائيلية، تعتقد باحثة السلام يوهانسن الآن أنه من المستحيل أن يحدث ذلك. وتقول: "أعتقد أن حل الدولتين قد انتهى".

شعبان ودولة واحدة؟

ولذلك فإن يوهانسن تؤيد حل الدولة الواحدة. "ليس الآن. الآن الأمور لا تسير على ما يرام. لكن على المدى الطويل سيكون هذا أمرا أؤيده". وتضيف يوهانسن، إنه إذا عاش الإسرائيليون والفلسطينيون معًا في دولة واحدة، فيمكن للمستوطنين الإسرائيليين أيضًا البقاء حيث يريدون.

وغالبا ما تتم مناقشة ثلاثة نماذج حول الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه حل الدولة الواحدة. فبالإضافة إلى فكرة إقامة دولة اتحادية حقيقية ذات حكومة مركزية قوية، كما هو الحال في فرنسا، يُقترح إنشاء دولة فيدرالية ذات حكومة مركزية محدودة الصلاحية. وفي مثل هذه الدولة الفيدرالية، على غرار بلجيكا مثلا، ستتمتع المناطق اليهودية والفلسطينية بسلطات واسعة.

النموذج الثالث قد يكون هو اتحاد كونفدرالي يجمع  منطقتين بحدود مفتوحة، مع وجود حكومة إسرائيلية وفلسطينية مشتركة مسؤولة فقط عن عدد قليل من القضايا مثل التجارة الخارجية والأمن الخارجي.

"وصفة للحرب الأهلية"

من جهتها تعتقد بنينا شارفيت باروخ، من معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، أن كل هذه الاقتراحات غير قابلة للتطبيق. موضحة: "وجود منطقة موحدة تضم عددًا متساويًا من الفلسطينيين واليهود هو وصفة للحرب الأهلية". وبسبب "العداء الشديد" بين الجانبين، فقد خلصت شارفيت باروخ  إلى هذا الاستنتاج حتى قبل هجوم حماس الإرهابي.

ما يقرب من نصف سكان إسرائيل وغزة والقدس الشرقية والضفة الغربية هم من العرب. لذلك فإن العديد من الإسرائيليين يخشون أن تفقد الدولة المشتركة مع الفلسطينيين هويتها كدولة يهودية، حتى لو توقف الطرفان عن العنف. فبالنسبة للعديد من الإسرائيليين واليهود في جميع أنحاء العالم  فإن هوية إسرائيل كدولة يهودية مهمة جدًا. لأنه بعد المحرقة النازية تم إنشاء إسرائيل أيضًا كملاذ آمن وموطن لليهود في جميع أنحاء العالم.

ولذلك فإن بعض الإسرائيليين القوميين اليمينيين على وجه الخصوص يدعون لإقامة دولة إسرائيلية، يمارس فيها الفلسطينيون حكما ذاتيا أكبر مما لديهم الآن في بضعة أجزاء فقط من الضفة الغربية. لكن يرى الفلسطينيون من جهتهم أن هذه لن تكون دولة ديمقراطية يُمنحون فيها حقوقهم المدنية الكاملة.

مشكلة غير قابلة للحل؟

لقد أصبح الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين الآن مرادفاً لـمشكلة غير قابلة للحل. وفي هذا الخصوص يقول الخبير الإسرائيلي ميراف زونزسين "على الرغم من أن الأمر قد يبدو معقدًا لكثير من الناس، إلا أنه في الواقع بسيط جدًا جدًا. لديك شعبان يحتاجان إلى العيش هنا في سلام وأمن. ولم يساعدنا أي قدر من الإرهاب أو أي قدر من القوة العسكرية على المضي قدمًا".

ولن يكون السلام ممكنا على المدى الطويل إلا إذا اكتسب الجانبان الثقة في بعضهما البعض. وللقيام بذلك، يجب أولاً إيقاف إراقة الدماء. لا يبدو الأمر كذلك في الوقت الحالي. لكن نظرة على كتب التاريخ يمكن أن تعطي بعض الأمل. وحتى من كانوا يوصفون بالأعداء بالوراثة، مثل ألمانيا وفرنسا، أصبحوا أصدقاء بمعاهدة الإليزيه في عام 1963، أي بعد أقل من عقدين من نهاية الحرب العالمية الثانية.

اتفاقيات التطبيع وفرص السلام المهددة

ورغم العوامل السلبية التي تهيمن على الأجواء بين الفلسطينيين وإسرائيل منذ أكثر من عشر سنوات، علّق مراقبون في العامين الأخيرين بعض الآمال على أن يؤدي توقيع اسرائيل اتفاقيات أبراهام للسلام مع الإمارات العربية المتحدة(2020) والبحرين والسودان إضافة للاتفاق الثلاثي بين إسرائيل والمغرب والولايات المتحدة (2021)، إلى المساعدة في خلق فرص لإحياء عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. 

لكن الحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة حماس، يبدو أنها تبدد تلك الآمال، وحتى التقارب الذي كان قاب قوسين أو أدنى من أن يتحقق بين المملكة العربية والسعودية وإسرائيل، بات في حكم المؤجل. إذ قررت  المملكة العربية السعودية تعليق محادثات تطبيع العلاقات مع إسرائيل على خلفية الحرب وإحتجاجا على الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة.

بيتر هيله/ منصف السليمي/ هـ.د