1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

رشا حلوة: الرعاية النفسية للاجئين والتحديات الخانقة

رشا حلوة
١٦ مايو ٢٠١٨

في مقالها* لـDW عربية تتطرق الكاتبة الصحفية رشا حلوة لأهمية الرعاية النفسية للاجئين ومنطلقات النظرة السائدة لمفهوم "العيب" الذي مازال يحاصر كل من يحتاج إلى هذه الرعاية.

https://p.dw.com/p/2xoCY
الكاتبة الصحفية رشا حلوة
الكاتبة الصحفية رشا حلوةصورة من: DW/Rasha Hilwi

في أحاديث مع أصدقاء نتطرق من مرة إلى أخرى إلى موضوع العلاج النفسي أو الاستشارة النفسية. على الفور، أبوح بتجربتي، والتي استفدت وما زلت أستفيد منها، خاصة لأني أؤمن بأن النفس بحاجة لمرافقة ومتابعة مهنية دومًا، تمامًا كفحوصات الدم الدورية التي علينا القيام بها، فالنفس ليست أقل أهمية من الجسد.

أعتقد أن هذه الحوارات ومشاركة الآراء وتشجيع بعضنا الآخر بخوض تجربة الاستشارة النفسية، هي جديدة نوعًا ما في عصرنا اليوم، بين جيلنا من الشباب، سواء من ناحية الوعي الذي يزداد تجاهها، ابتعادها قليلًا عن مفهوم "العيب"، مع أنه ما زال حاضرًا بعض الشيء، كما الحديث العلني عنها، جميعها خطوات مهمة، تعود بالفائدة على الفرد والجماعة، وربما المستقبل.

في عالمنا اليوم، وباختلاف ظروف كل منا، هنالك أسباب عديدة "تُتعب النفس"، نجيب صديقًا على سؤاله عن حالنا: "نفسيتي تعبانة"، بلا علاقة لنسبة التعب، كلٌ يعيش ظروفه، وله قدرة مختلفة على تحمل المصاعب والأوجاع والخيبات، هنالك ألم فردي، وآخر مرتبط ببلاد تتدمر كل يوم، وأخرى أثر فقدان شخص عزيز، والآخر بسبب قصة حبّ فشلت. لا منافسة على الألم أو على الخسارة، كل منا هو ابن تجربته ووجعه، ولديه نسبة مرونة تجاه تحمّل ما يمرّ به، وبالتالي، قدرته على مواصلة التحمّل وطلبه لمساعدة، هي فردية تمامًا، بلا قواعد ولا قوانين.

قبل عام، التقيت بالصديق أغر جديد، وهو معالج وأخصائي نفسي من سوريا ومقيم في برلين. تدور أحاديثنا كلما التقينا عن أهمية الرعاية النفسية، مشاركًا تجربته كمختص بالمجال كما وحاجة اللاجئين للرعاية النفسية خاصة بعد التجارب التي مرّوا بها، شهادة عامّة ملتصقة بتجربته الشخصية. في حديث معه عن أهمية الرعاية النفسية بشكل عامّ قال: "عندما يتعرض الإنسان لتجربة قاسية في بلاده، مثل حالتنا، وقد طالت الجميع، كما وأنها تشبه التجارب المؤذية لكل من جاء من بلاد تعرضت لحروب، فهي التجارب يُخزنها البشر، وتسبب أضرارًا نفسية لنا، غالبًا لا نكون واعين لها، حيث أن آلتنا الدفاعية هي بمواصلة الحياة وتجاوز المصاعب، لكن الآلية لا تنجح دومًا، وأحيانًا تسبب عرقلة للاستمرار نتيجة لشدّتها، وهذا كله يجري في مستوى لا وعينا".

على مستوى الوعي، ليس بالضرورة أن نكون على إدراك بما تمرّ به النفس، نرمي أحيانًا "تعبها" على أمور تقنيّة وخارجية. بعيدًا عن الصدمات التي بإمكاننا تعريفها، والتي تحدث في بلادنا، فحتى الانتقال إلى مكان آخر وجديد، فيه لغة لا نعرفها وبيئة غير مألوفة، حتى لو كان هذا الانتقال/ اللجوء اختياري، فبإمكانه أن يشكّل "صدمة ثقافية"، وانعكاسها نفسي. الكثير من القصص نعرفها عن طلاب تركوا دراساتهم وعادوا إلى بلادهم، وهذا في حال تمكنوا من العودة، لكن بالضرورة أن هذه الصدمة بإمكانها أن تكون مضاعفة في حالة لجوء قسري مرفقة بتجارب قاسية، حيث لا يمكن العودة إلى البيت.

عن هذا يقول أغر جديد: "الصدمة النفسية للجوء فيها مستويات عديدة، منها التعرض للصدمة في البلد الأمّ، ومن ثم صعوبة التأقلم في بلد فيه عادات، قيّم ولغة وأنظمة وحالات طقس مختلفة، هذا كلّه يتم تخزينه في اللا وعي، حيث يعتقد الإنسان بأن المشكلة هي بعدم قدرته على إيجاد عمل أو بيت، لكنه عمليًا غير قادر على حلّ الشحنة العاطفية والنفسية التي تشكّلت داخله نتيجة للأحداث التي مرّ بها".

صديق يسألني عندما أتحدث عن أهمية العلاج النفسي: "طيب أنا كصديق، ما بقدر أساعدك؟"، إجابتي له: "أحيانًا، لا"، مع تفهمي الكامل لسؤاله النابع من ثقافتنا، حيث أهمية الأصدقاء وطقوس مشاركة المشاعر والأحاديث، لكن بالمقابل، لدي قناعتيْن، الأولى هي بأن الاستماع المهني للمشاعر والمخاوف يختلف تمامًا عن استماع الأصدقاء، وقدرتنا على مشاركة ما نشعر به حقيقة مع شخص مهني يختلف عن مشاركتنا لصديقة، القناعة الثانية، هي بأننا لا نحكي عادة مع من نحبّ، عن ما يهمنا بالفعل.

يرى أغر جديد بأن في ثقافتنا الشعبية، عندما نشعر بالحزن، نذهب لمشاركة صديق، نرمي أنفسنا في حضنه، ويضيف: "لذلك الصداقة هي مهمّة في بلادنا وأساسية، لكن مع خروجك من بلدك هاربًا، بلا أصدقاء ولا عائلة، وسيرورة بناء صداقة في مكان جديد تحتاج إلى وقت كثير، لذا نحتاج لشخص مختص، لديه قدرة على الدعم والرعاية، لأنها مهنته".

في ألمانيا، ومع موجة اللجوء عام 2015، ومع توفير الحاجات الأساسية للاجئين من مأوى ورعاية صحية جسدية، أصبح هنالك اهتمام بتوفير الدعم والرعاية النفسية أيضًا. هذا الاهتمام وتوفيره، التقى بعقبة أساسية مفادها اللغة، وكيف يمكن تأمين معالجين وأخصائيين نفسيين يتحدثون لغات اللاجئين والقادمين من نفس الثقافة، ولذلك لتأمين نجاعة الرعاية النفسية، فالعلاج النفسي بحضور مترجم سيعرقل المسار بشكل أو بآخر، ويفقده الكثير من سياقه، ففي وضعية انفعال وتعبير عن المشاعر بشكل متواصل، سيكون من الصعب قطع حديث المتعالج من أجل الترجمة، كما وأن وجود شخص آخر في إطار العلاج، من الممكن أن يعيق سيرورة الراحة الذي يشعرها المتعالج للبوح بما يشعر به.

في مواصلة الحديث مع أغر جديد، عن هذا الجانب، قال: "بدأت بعض المنظمات الألمانية بتوظيف أشخاص لديهم خلفية في علم النفس، ويتحدثون لغات غير ألمانية، وذلك من منطلق أن اللغة هي حاضنة ثقافية، والتعبير يكون أفضل عن شيء باللغة الأمّ. بالمقابل، أعرّف عن نفسي أمام المعالج باني ابن دمشق أو ابنة الصحراء، وأحتاج لمن يفهم هذه الخلفيات والخصوصيات الثقافية، وهذا الاستيعاب يساعد كثيرًا، خاصة لمن يذهب لطلب مساعدة أو نصيحة نفسية، فهو يحتاج لمن يفهمه، لذلك تكمن أهمية اللغة، والوعي تجاه توفير رعاية نفسية من خلالها في سياق اللجوء".

على الرغم من ازدياد الوعي تجاه العلاج النفسي، لكن هنالك ضرورة لمواصلة التوعية تجاه أهمية النفس، خاصة في ظل ظروف قاسية تنزع عن الإنسان أهمية جسده ونفسه في نفس الوقت. كل الظروف التي نعيشها تشرّعن الصدمات التي نشعر بها، لكن تبقى مسؤوليتنا تشبه ما قاله أغر في ختام حديثنا: "هدفي أن يصل الإنسان لمرحلة يتحكّم فيها بزمام أمور حياته، لا أن يتحكّم به الخوف أو البعد أو الغربة أو اليأس، إلى أن يعود ليكون مركز نفسه".

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

تخطي إلى الجزء التالي اكتشاف المزيد

اكتشاف المزيد

المزيد من الموضوعات