1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

في زمن طالبان ـ أفول الإسلام السياسي في المغرب وتونس؟

حسن زنيند
١٦ سبتمبر ٢٠٢١

من المفارقات أن يتزامن اكتساح حركة طالبان لأفغانستان مع تراجع الإسلام السياسي في شمال إفريقيا وبالتحديد تونس والمغرب، بعد اختبار إسلاميي "العدالة والتنمية" و"النهضة" محك الديموقراطية في نظامين سياسيين مختلفين.

https://p.dw.com/p/40Kqo
أرشيف: تجمع انتخابي لحزب العدالة والتنمية المغربي في الرباط (سبتمبر/ أيلول 2016)
أرشيف: تجمع انتخابي لحزب العدالة والتنمية المغربي في الرباط (سبتمبر/ أيلول 2016)صورة من: picture-alliance/dpa/A. Senna

مني حزب العدالة والتنمية الإسلامي المغربي بخسارة مدوية في الانتخابات المحلية والتشريعية الأخيرة، إذ تراجع إلى المرتبة الثامنة في المشهد السياسي بـ13 مقعدا فقط، مقابل 125 في البرلمان المنتهية ولايته. وعلى مستوى المجالس المحلية، تراجع الحزب إلى المرتبة الثانية مكتفيا بـ777 مقعدا مقابل 5021 في آخر انتخابات محلية أجريت عام 2015. ويتزامن انهيار الإسلاميين في المغرب مع الضربة التي تلقتها حركة النهضة الإسلامية التونسية بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد بتعليق أعمال البرلمان، ما جعل الإسلاميين برئاسة راشد الغنوشي يواجهون أصعب امتحان منذ ثورة 2011 وسط تراجع غير مسبوق لشعبية الإسلاميين.

فحركة النهضة التي تأسست قبل أربعين عاما، كانت فاعلا أساسيا في الثورة التي أطاحت بنظام بن علي، وبالتالي قوة رئيسية في الطيف السياسي التونسي. غير أن قوتها تراجعت بشكل مطرد، إذ انتقل تمثيلها البرلماني من 89 نائبا عام 2011 إلى فقط 53 (من أصل 217) في الانتخابات التشريعية لعام 2019. المشهدين المغربي والتونسي يشيران بشكل واضح إلى تراجع الإسلام السياسي في البلدين حيث احتك الإسلاميون بآليات الديموقراطية. هذا التطور قد يبدو مفارقة، بالنظر إلى مشاهد الزلزال الذي أحدثه الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وسيطرة حركة طالبان المتشددة على البلاد. موقع "إن.دي" اليساري الألماني (السادس من ستمير/ أيلول 2021) كتب بهذا الشأن موضحا "يقع اللوم في البؤس الحالي (الذي تعيشه تونس) على الإسلاميين المعتدلين في حركة النهضة، الذين كانوا ممثلين في جميع الحكومات العشر على مدى عشر سنوات الأخيرة".

أمام الجاه والسلطة الإسلاميون لا يختلفون عن غيرهم

توقع الكثيرون في المغرب تراجع "العدالة والتنمية"، لكن لا أحد توقع هزيمة ثقيلة بهذا الحجم، إذ تقهقر للمرتبة الثامنة بعدما كان يتصدر المشهد السياسي على مدار العقد الأخير. ويبدو أن تصويت الناخبين كان عقابيا أمام وعود أطلقها الحزب ولم يحقق منها الكثير. ولم تسعفه هذه المرة مرجعيته الدينية ولا وازعه "الأخلاقي" لإقناع الناخبين بالعكس. ويذكر أن "العدالة والتنمية" تولى رئاسة الحكومة بعد حراك "الربيع العربي" في نسخته المغربية، التي أفضت إلى مراجعة الدستور عام 2011 ووصول الإسلاميين إلى رئاسة الحكومة. وتزامن هذا الانهيار الحالي مع سياق إقليمي (حالة تونس) أوسع، أظهر أن محك الديموقراطية يمكنه ترويض الإسلاميين. وبات من الصعب إقناع الناخبين بالشعارات الدينية وحدها.

ورغم مشاهد انتصار حركة طالبان في أفغانستان التي استخلص منها بعض المحللين الغربيين أن الديموقراطية تتعارض جذريا مع قيم المجتمعات الإسلامية، فإن دخول الإسلاميين في عراك التجربة الديموقراطية في المغرب وتونس أظهر عكس ذلك. وفي هذا السياق نقلت وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) (12 سبتمبر) تحقيقا استندت فيه لرأي الخبير والإعلامي المغربي أحمد الشرعي، عضو مجلس إدارة المجلس الأطلنطي، وأحد المستشارين الدوليين لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في تقرير نشرته مجلة "ناشونال انتريست" الأمريكية. الشرعي أكد أن صناديق الاقتراع هي التي هزمت الإسلاميين في المغرب وليس الرصاص واستطرد موضحا "لكن الإسلاميين فشلوا في خلق فرص عمل كافية أو توفير عدد كاف من المساكن المقبولة التكلفة لإرضاء الناخبين الشباب، بينما زاد عدم استعداد أصحاب الشركات لتحديث الضرائب واللوائح.

وحتى الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني لم يتمكن من الفوز في دائرته الانتخابية بالرباط، في مؤشر على انهيار كامل لشعبية الحزب الذي أنهكته عشر سنوات من ممارسة السلطة.

الإسلام السياسي وإسرائيل ..ثبات في المواقف أم مناورات ؟

تراجع مطرد لشعبية الإسلاميين

في التاسع من أغسطس / آب الماضي كتبت صحيفة "فرانكفورته ألغماينه تسايتونغ" مقالا موسعا استغربت فيه للتآكل المتسارع للدعم الشعبي لحزب النهضةالتونسي، وقالت بهذا الصدد "لم يعد حزب النهضة يحظى بشعبية كبيرة بين التونسيين، فرغم جائحة كورونا التي سجلت في البلاد إحدى أعلى معدلات الوفيات في العالم، واصل النواب في البرلمان صراعاتهم الأيديولوجية. ولم يقنع عمل البرلمان المنقسم سياسيًا، التونسيين. ونفس الأمر يشمل حصيلة الإسلاميين في الحكم، الذين استخدموا مجلس النواب كمنبر حزبي وسياساوي".

وإذا كانت الإمارات، على سبيل المثال لا الحصر، اختارت الصرامة وأحيانا القوة في مساعيها لاحتواء تيار الإسلام السياسي الذي تنظر إليه كتهديد للأسر الحاكمة في الخليج، فإن المغرب وتونس اختارا طريقا آخر أدمج الإسلاميين المعتدلين في المشهد السياسي وجعلهم يحتكمون لاختبار ممارسة السلطة التي تختلف بطبيعتها عن منابر المعارضة. وبهذا الشأن كتب موقع "تاتس" الألماني (التاسع من سبتمبر) " كان من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية سيخسر من شعبيته، بعد عشر سنوات من الحكم وبعد جائحة كورونا، غير أنه لا أحد كان يتوقع هزيمة بهذا المستوى". وخلافا لما حدث مع إسلاميي مصر وتونس يعتبر "العدالة والتنمية" أول حزب إسلامي يغادر السلطة من خلال صناديق الاقتراع.

 

مزاعم التزوير.. لا تفسر كل شيء!

موقع "تسايت أونلاين" كتب في (التاسع من سبتمبر 2021) أن حزب العدالة والتنمية اشتكى من استعمال المال لاستمالة الناخبين بل ومن التزوير في بعض الدوائر الانتخابية، إضافة إلى التغيير الذي عرفه القانون الانتخابي، وإن كان محللون مغاربة أكدوا أن ذلك التعديل في القانون هو الذي مكن الحزب من عدم الاندثار كليا من المشهد السياسي. وقالت الصحيفة "من المحتمل أن يكون التغيير المثير للجدل في قانون الانتخابات أحد أسباب هزيمة حزب العدالة والتنمية.فوفق التعديل القانوني لم يعد يتم، احتساب توزيع المقاعد البرلمانية على أساس الأصوات المدلى بها، ولكن بناءً على عدد الناخبين المؤهلين. والنتيجة هي أنه لم يعد بإمكان أي حزب الفوز بأكثر من 100 مقعد" واستندت الصحيفة في ذلك على تحليل لمؤسسة "فريدريش ناومان" الألمانية القريبة من الحزب الديمقراطي الحر (ليبرالي)، والتي تصف هذا القانون بـ"الفريد" على مستوى العالم.

أزمة تونس.. هل يتجه سعيد إلى تغيير النظام السياسي؟

ووجه "العدالة والتنمية" لمنافسه "التجمع الوطني للأحرار" الذي جاء في الرتبة الأولى، اتهامات "بشراء المرشحين والناخبين". صحيفة "تاتس" كتبت بهذا الصدد أنه "في ليلة الانتخابات، تعالت أصوات من حزب العدالة والتنمية تشتكي من التزوير. كما اشتكى بعض ممثلي الأحزاب من شراء الأصوات، معتبرين أن الأمر وصل إلى "توزيع فاحش للأموال" في الجوار المباشر لمراكز الاقتراع. غير أن وزير الداخلية نفى ذلك باستثناء "حالات فردية" واعتبر أن التصويت "تم في ظروف عادية". غير أن مزاعم التزوير واستعمال المال رافقت كل الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، لكن ذلك لم يمنع الناخبين المغاربة من دعم الحزب بشكل واسع خصوصا في فترة رئاسة زعيم الحزب السابق ذو الشخصية الكاريزمية، عبد الإله بنكيران. غير الناخبين اليوم عاقبوا الحزب بشكل واضح لم يكن يتوقعه أحد.

 

نظام انتخابي معقد يمنع هيمنة أي حزب

نشر موقع "تاغسشاو" التابع للقناة التلفزيونية الألمانية الأولى (الثامن من سبتمبر)، تقريرا لمراسلتها في الرباط حول أجواء الانتخابات وانتظارات المغاربة منها. وأكد التقرير التعقيدات التي تطبع النظام السياسي في المغرب، مستشهدة بالمحلل رشيد توحتوح الذي قال "لدينا رأسين: الملك والحكومة المنتخبة. في رأيي، هناك منافسة سياسية مع الملك، والذي يشرف على المشاريع الاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية الكبرى. وعلينا أن نسأل ما الذي يتبقى لأية حكومة؟". ويذكر أن "العدالة والتنمية" يرتبط بشكل عضوي بحركة دعوية اسمها "التوحيد والإصلاح" التي تناهض التطبيع مع إسرائيل. ويذكر أن زعيم الحزب سعد الدين العثماني وقع بصفته رئيسا للحكومة على اتفاقية التطبيع أمام كاميرات التلفزيون في تناقض مع مواقفه المعلنة. نفس الوضع يشمل المصادقة على قانون ينص على استعمال اللغة الفرنسية في التدريس، أو الموافقة على قانون يسمح بزراعة القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية، ما جعل قيادات الحزب تبتعد عن قاعدتها الانتخابية المحافظة. وبدت نخب الحزب بعد عشر سنوات من الحكم، مهتمة بالمناصب الوزارية ضمن ما يسمى بـ"تيار الاستوزار"، أكثر من أي شيء آخر.

موقع DW في نسخته الألمانية (السابع من سبتمبر) حاور باوكه باومان رئيس مكتب مؤسسة "هاينريش بول" الألمانية في الرباط الذي قال إنه "لم يسبق له أبدا أن التقى بأي شخص يربط بين تغيير الحكومة واحتمال حدوث تغييرات سياسية جادة" في المغرب. ومع ذلك، يرى بومان أن هناك جوانب إيجابية في الانتخابات؛ "صحيح أن توقعات الناخبين منخفضة، ومع ذلك هناك أمل في أن تتمكن الحكومة الجديدة من تنفيذ النموذج التنموي الذي أعلن عنه في مايو/ أيار من العام الجاري".

 

فشل "النهضة" ليس عذرا لتعليق الديموقراطية

على غرار "العدالة والتنمية" في المغرب هيمنت حركة النهضة على المشهد السياسي التونسي خلال العشرية الأخيرة، غير أن عددا متزايدا من التونسيين بات ينعت بعض مسؤوليها بالنفاق والفساد، بل ومنهم من يعتبرونها المسؤول الرئيسي عن الانهيار الاقتصادي والفشل السياسي الذي تعيشه البلاد حاليا. ومن المفارقات أن البعض منهم يحن لزمن الاستبداد الذي ثار التونسيون ضده عام 2011. ويبدو أن الرئيس قيس سعيد اختار وقتا دقيقا تعاني فيه الحركة من الغضب الشعبي ومن انقسامات داخلية أنهكت قواها التي استنزفتها أيضا في صراعات أيديولوجية شبه بيزنطية بالنسبة للتونسيين.

ورغم اعتبارها القوة السياسية الأولى في البلاد خلال العقد الأخير، فإن حركة النهضة لم تنجح مع ذلك في أي استحقاق انتخابي في الفوز بأغلبية مطلقة. وكانت مضطرة للتحالف، كل مرة، مع أحزاب ليبرالية ما أربك قاعدتها الانتخابية المحافظة. غير أن تعليق عمل المؤسسات الديموقراطية ليس حلا مع ذلك كما كتبت صحيفة "نويه تسوريخه تسايتونغ "(29 يوليو/ تموز) "بالطبع، يمكن فهم شعور الإحباط لدى التونسيين، فالبرلمان مجزأ والتحالفات التي كانت في السلطة منذ عام 2011 غير مستقرة ومنقسمة. فشلت الحكومات في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة بشكل عاجل، ولا تزال السياسة والاقتصاد يتآكلان بسبب الفساد والمحسوبية وانتشار البطالة، لكن تعليق العمل بالديمقراطية بدون شك ليس هو الحل. فمن الوهم الاعتقاد بأن الأنظمة الاستبدادية تحكم بشكل أكثر كفاءة أو أنها أقل فسادًا. (...). أفضل شيء بالنسبة لتونس هو العودة السريعة للنظام الدستوري والديمقراطية البرلمانية ".

حسن زنيند